"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


ميدل ايست اونلاين: غرام براغماتي في شيكاغو

date: 
Sun, 05/22/2011

شيكاغو – احتفى "نادي الكتاب" في مدينة شيكاغو الاميركية بالرواية الجديدة لعالية ممدوح "غرام براغماتي" في أمسية قربت المسافات المتباعدة للمغتربات العربيات عبر النص الابداعي العربي.

وتدير نادي الكتاب مجموعة من السيدات الاميركيات من أصول عربية، وعادة ما يتفقن على قراءة كتاب محدد ليلتقين لاحقاً في مناقشة متنه.

وجلبت المغتربة العراقية سحر البحراني خلال زيارتها الى مدينة دبي مجموعة من نسخ رواية "غرام براغماتي" لمناقشتها في لقاء الاسبوع الاخير.

وأثارت الرواية حزمة اسئلة بين "هاويات القراءة" في نادي الكتاب، بينما ساد الاتفاق على جرأة المؤلفة عالية ممدوح في بث المشاعر العميقة لدى بطلة الرواية في متن السرد.

وأثارت "غرام براغماتي" منذ صدورها نهاية العام الماضي عن دار الساقي في بيروت ردود فعل متصاعدة حول القيمة الابداعية التي تقدمها، على خلاف منجز عالية ممدوح السابق.

وتدور الرواية حول علاقة بين منشدة عراقية "فرنسية" وفوتوغرافي عراقي "بريطاني".

يتفق الاثنان على التدوين، ولعل هذا جلّ ما ينجزه "بحر" و"راوية". نصف عراقية في فرنسا، ونصف عراقي في بريطانيا وهما مغرمان، حيث نكتشف اجواء باريس في جانبها غير المعلن، فيما تختصر "برايتون" أقرب المدن الى البحر منها الى لندن الاجواء الانكليزية.

المنشدة، التي يجوب صوتها العواصم، تفقد عادتها الشهرية، والمصوّر الفوتوغرافي يصبح مجرّد صوت على آلة التسجيل التي تتلقى مكالماته الضائعة، إذ تتعمّد حبيبته ألا ترفع سمّاعة الهاتف.

يكتب الاثنان يومياتهما التي تفصلهما بعضهما عن بعض. لكن الكتابة تتجاوز، رغماً عنهما، شكوى الحب والوحدة والشهوة. على أوراقهما تحضر الديار كما هي في الذاكرة... وتحضر أيضاً عُقدُهما العادية.

يفهم بحر أخيراً ذاك الملل الذي ينتابه... ملل الصياد. وتكتشف راوية فجوة في حائط شقتها فتقرر اقتفاء كل صدع مخبأ، في خزانة الذات.

وعالية ممدوح المولودة في بغداد، صدر لها مجموعتان قصصيتان وخمس روايات "ليلى والذئب" "الولع" "حبات النفتالين" "الغلامة" "المحبوبات" نالت عليها جائزة نجيب محفوظ، ثم "التشهي".

وتبتعد ممدوح عن بغداد لترويها من مكان آخر، من المنفى، وبطريقة تحاول ان تكون محايدة انطلاقا من الذكريات التي تجمعها بالاهل في تلك الديار. وطيف بغداد يمر ناعما متواريا بعدما كان محورا في الاعمال السابقة.

 
     
     
 

تتقن عالية ممدوح لعبة التدقيق في العواطف وامتحانها لتأتي الرواية مصاغة بصوتين، صوت المرأة "راوية" والرجل "بحر".

يتحول الحب وما يلازمه من طقوس مصاحبة الى نوع من ملجأ تهرب اليه راوية فرارا من الوحدة ومن خراب الذات والامكنة، يصبح الحب نوعا من الطلاء الذي يجدد المكان ويغلف باوعية حريرية تصدع الروح.

وكما حميمية المنزل الصغير الذي يجمع شؤون الحياة، ترصد ريشة عالية ممدوح حميمية اللقاء الذي لا يحصى فيه العمر وترسم فوق حيطانها في الوحدة بعض الكلام الجديد.

أما حين تخزن الصوت، صوت محبوبها، فكأنما تخزن العذوبة لتفر اليها من روتين الايام ومن عقم المشاعر المحددة، الصوت الذي يتحول الى مخدر: "صوتك كالمورفين لا يعالجني الا بالتكرار".

تختبئ المرأة وراء آلة تسجيل الصوت تسمع صوته ولا ترد على هواتفه، تتعلق باحتمالات الصوت وتحلم وتعذب نفسها وتعذبه ويأتي هو الى باريس الى شارعها مرات ومرات يقف امام بابها ولا يدخل.

"غرام براغماتي" تحيل الى زمن خاص، زمن لا يصنعه الا التهاب الشوق بين حبيبين متباعدين فيختلف فيه الايقاع ويسرع النبض وتعاد فيه صياغة الاشياء كما الذات التي توضع في جردة حساب كلية.

كما يغدو الحب اداة لاعادة تشكيل المساحة واعادة تنظيم الوجود، بل هو اعادة هيكلة للامور واعادة ترتيب للاشياء وحتى الاعضاء بل هو عملية متكررة لاعادة النظر في التفاصيل العارمة حتى الغبار وحتى تسلل الذكريات.

وفي غمرة اغراء الانتظار وطمع التواصل لا احداث تمر لكن السرد يتعاقب ناقلا زخم المشاعر بما فيها من تبدل في المزاج ومن احباطات وحالات ترقب. لا شيء يحدث خارج حدود العلاقة التي تتسرب اليها في الغربة صور الام والاب في بغداد.

تقول عالية ممدوح عن روايتها الجديدة في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية "في كل كتاب أحاول البحث عن مخرج ما، من المأزق الوجودي الذي نواجهه، فنتصور، وربما بلا تدقيق، ان الغرام هو أحد المخارج".

وتضيف "من قبل، كنت أتصور ان الحب هو الذي يقوم بالترميمات المطلوبة للنفس البشرية، أما اليوم فغيابه يبطش بالكائنات كافة. نحن أمة تتحدث عن الحب بقدر ما تتحدث عن الدين، نكتب عنه أكثر مما نحياه فعلا، نخاف ونرتعب ان تقطع انفاسنا ونلتاع، فالوجع لا يلائم بعضنا، على الخصوص الرجال".

لا شيء يحدث خارج دائرة العلاقة التي تمارس عن بعد اثر لقاء تم بين راوية المغنية وبحر، نصف الشاعر ونصف المصور و"نصف العاشق"، هي المقيمة في باريس وهو المقيم في برايتون ببريطانيا.

والرواية بحسب عالية ممدوح "محاولة كتابة تريد الوصول إلى اللحم الحي من الكلمات والسرد واساسيات الروح وأكوام لا تحصى من عبق ما كان يسمى وطنا".

تعيد سيرة الحب في "غرام براغماتي" تكوين الامكنة كما الذات على ضوء جديد.

وهي في جوانب منها عملية رد اعتبار للامكنة المهملة حين يكون المرء وحيدا.

تحاول راوية باستمرار ان ترمم منزلها كمن يرمم خرائط روحه والجسد استعدادا لاستقبال حبيب ما قد لا يأتي، لذلك "علينا اللهو قليلا باشيائنا العمومية قبل اللهو والاستمتاع بتخاطبنا الخاص والداخلي".

فمن يحب في رواية عالية ممدوح يتحول الى مسكون عليه ان يعيد ترتيب الاشياء في ذاته ومن حوله ويبني تاريخا كاملا من الاحلام والتخيلات والوعود.

وتختم عالية ممدوح بالقول "هي رواية عن العلاقات الخفية للحدوس والمشاعر، للانخطافات والتلاطم ما بين الجسد، جسد المحبوب والمحبوبة، بين الثياب والأبدان، بدءا من أعلى زر في القميص إلى حرير البطانة، فنسمع أصوات العشاق وأصوات خلاياهم وهي تتكسر وتتجعد بين راحة اليد وهبوب الرغبة".