"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


مجلة "المرأة اليوم": قلب في الخاصرة - د.رياض نعسان آغا

date: 
Mon, 08/09/2010

مرة أخرى أكتب عن قصص هيفاء بيطار، فقد كتبت من قبل عن روايتها "امرأة من هذا العصر" التي فجعت بالسرطان يفتك بثديها المهدد بالقطع، وكتبت عن روايتها "هوى" التي شدني إليها التفجع أمام وطن يسرق، واليوم يشدني إلى مجوعتها القصصية SMS قصة بعنوان (قلب في الخاصرة) أحسست أنه قلبي يتسارع في دقاته  ويكاد يتفجر أسى وألماً وإحساساً مريراً بالعجز أمام ما تفعله إسرائيل بغزة، والطفلة (عزة) بنت السنوات التسع تتأمل الرابط بينها وبين (غزة) فتجد أنه مجرد نقطة دم على العين، والطفلة في القصة تتابع نشرات الأخبار وترى صور الجثث التي تتناثر في الشوارع تشبه صور أفلام الكارتون (فيسحرها الموت، كم هو سهل وخفيف وسريع!! أطفال يتحولون بضربة سحر إلى جثث). تتذكر لعبة الشرطي واللصوص حيث  يحمل رفاقها الصبية في المدرسة عصياً يتخيلون أنها بنادق فيرشون رفاقهم اللصوص برصاص وهمي فيسقط الأطفال قتلى، لكنهم  ما يلبثون ينتفضون ويضحكون (تصلي عزة حالمة بألا يموت أطفال غزة بعد خردقة أجسادهم بالرصاص، وتحلم بأن ينتفضوا ضاحكين كما يحدث في اللعب) وترى صورة طفل يماثلها في العمر ممد على سرير في المستشفى ويد تكشف بسرعة عن بطنه، لتظهر ثقباً كبيراً في خاصرته (وكتلة حمراء بحجم البرتقالة تشرئب من الثقب،  اليد تسرع بتغطية المشهد المروع، لكن عزة التي لم يرمش لها جفن احتفظت بالصورة كوشم في ذاكرتها، وأسرعت إلى أمها لتقول لها (إن قلب الطفل خرج من خاصرته) ترد الأم بشفقة وبرود بأن مكان القلب ليس في الخاصرة، وتدمن عزة متابعة نشرات الأخبار وتصير أسيرة الشاشة  ورؤية الأطفال الذين يقتلون بالعشرات، فيسطر كابوس الموت والهلع على نفسها (تتخيل قصفاً وحشياً ينهمر عليها وعلى صديقاتها، تتماهى للحظات مع الأطفال هناك في غزة، يتساقطون كفراشات تحرقها نار تخرج من جوف التنين، وتنتهي القصة التي لم تنته بعد، بصورة قلب صغير يخرج من الخاصرة، والدم الساخن يخرج من فم عزة، ويحرض عاصفة من الغثيان في داخلها، تسقط عزة في غيبوبة (وصراخ يمزق أذنيها، وأيد ترفعها، وحناجر تصرخ باسمها، عزة، عزة، هل يصدقونها إذا قالت أنا غزة؟).

ومجموعةSMS  تقدم للقارئ عدداً من القصص التي تحمل أسلوب هيفاء بيطار ومضامينها النسوية العاطفية والجنسية والإنسانية، وتنهل من مآسي النساء ومن كبتهن وأشواقهن وأحلامهن وخيباتهن، لكن عالم هيفاء مخترق في هذه المجموعة بآلام غزة وأحزانها، وهي لا تحكي عن مأساة  غزة وحدها، وإنما تحكي عن امتداد آلامها وتداعياته في الجسد العربي كله، وترى غزة تحيي شهامة النفوس الضعيفة، ففي قصتها (عاطل من الحياة) نتعرف إلى مسكون بالخوف، يخاف من السلطة، ويخشى أن يتعرض لمثل مصير أبيه سجين الرأي الذي أمضى عشرين عاماً في السجن وخرج منه ليموت، لقد ربته أمه على الخوف خشية أن يلقى مصير شجاعة أبيه، واستطاعت أن تمتص  ثورته ونقمته ، رجته أن يهدأ وأن يفكر بعقل (لقد خسرت والدك، ولن أتحمل أن أخسرك) عاش نصف قرن في الذل الأنيق، حتى إنه تصالح مع قتلة والده، صار شريكاً للضابط الذي كان يدبر لأمه لقاء سنوياً في السجن مع زوجها مقابل مبالغ طائلة ، كان الضابط يهرب البضائع وهو يؤمن المستودع، وحدثت الحرب على غزة، ووجد نفسه فجأة يصفي الحساب مع نفسه (تصفية حسابات ليس بين فلسطين المغتصبة ومغتصبيها ، بل بين الخنوع والذل من جهة والكرامة والحرية من جهة أخرى) كانت الحرب وحشية لدرجة أنها نسفت كل تعقله وفضحت زيف عيشه وخزيه، لقد انتصرت الحرب على المنوم الذي كان يبتلعه يومياً كي يسكن أوجاع ضميره، أي إلهام هبط عليه ليقوم فجراً متنكراً بثياب عامل تنظيفات ويدخل إلى القبو سراً ويشعل النار في الألبسة المهربة التي كان يؤويها في مستودعه؟ صار أمله أن يصل إلى غزة ليكفر عن صمت الذل الذي كان عبداً له نصف قرن، لقد انتصر على الخوف، بل انتصر على الموت لأن الخوف هو الموت الحقيقي.

وأحسب أن هاتين القصتين لا تحتاجان إلى شرح أو تفسير أو تعليق، فهيفاء التي تكتب على السجية ، نهلت من مداد الدم المسفوح في غزة، فجاءت قصصها عنها مضرجة بلون الحقيقة الصادقة، حاملة شعلة من ضياء ملحمة البطولة في تاريخنا المعاصر.