"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "النهار": مليحة أفنان: الخط يقودني إلى حياة يرسمها بنفسه - مازن معروف

date: 
Wed, 08/11/2010

قررت مليحة أفنان أن ترفع سماعة الهاتف وتجري مكالمة مع الفنان مارك توبي. كان ذلك عام 1971 بعد عودتها من الولايات المتحدة إلى لبنان حاملةً شهادة في الفنون من جامعة جورج واشنطن، بحسب ما تذكر في كتاب "مليحة أفنان – بقايا، وجوه وأماكن" الصادر حديثا باللغة الانكليزية عن "دار الساقي" بالتعاون مع "beyond art". فأفنان، خلال تمضيتها فترة ما بين عامي 1956 و1963 في العاصمة الاميركية برفقة زوجها، قررت هناك الانصياع لصوتها الداخلي ودراسة الفنون الجميلة والفن التشكيلي والنحت. كانت الطالبة الوحيدة القادمة من الشرق الاوسط، وانعكس ذلك جليا في أعمالها التدريبية خلال الحصص. أستاذها ريتشارد ليهي، وهو الذي أبدى تأثرا بليغا بأعمال بول سيزان، اقترب منها ذات يوم لمعاينة أحد أعمالها قائلاً: "لقد عثرتِ على شيء خاص بك. ثابري عليه".
كانت محاولاتها الاولى في تلك الفترة، تتضمن دمج بعض الخطوط الكتابية باللغتين العربية والانكليزية داخل اللوحة. كلمات او شظايا كلمات وحروف، تتدخل بشكل سري وخجول بعض الشيء في خلفية لوحتها، وهذا ما مثل أولى علامات لغتها الخاصة. لكن أستاذها، وهو اول من لفت انتباهها إلى اسلوبها الخاص، عاد ليسألها بعد حين إن كانت قد اطلعت على أعمال مارك توبي. أجابت أفنان بالنفي، ففي ذلك الوقت، لم يكن متاحا لها الاطلاع على آخر ما يجول في معارض الفن "المعاصر". ذلك أن مساحة التجربة الفردية، واللغة الخاصة بالفنان الواحد، بدأت تأخذ حيزها في تلك الفترة، مستعيضة عن حركات فنية جماعية سادت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى العقد السابع من القرن العشرين تقريبا. وعلى رغم سطوة السوريالية وانبثاق الدادائية وأفولها بعد عقد من الزمن تقريبا على ولادتها، إلا ان فنانين من مثل توبي، استطاعوا أن يعملوا بهدوء على تطوير حضور ادوات محددة في اللوحة وتبيانها كأولوية. مليحة أفنان، التي أدركت فحوى سؤال أستاذها، أصيبت بلوثة التعرف الى أعمال الفنان توبي وقراءتها بتمعن.
في أعماله، يتحول الخط مكوّناً أساسياً وظاهرياً، نافراً ووقحاً حتى، من مكوّنات اللوحة، وهو خط يحدد مسار النظام التشكيلي (وليس الشكل بالضرورة) وإيقاعه، ولا يكون منضويا كشرط تحت إطار جمالي، بل فوضوي "أنيق". الجمع بين الفوضى والاناقة، هو إحدى غرائب اللوحة وعبقريتها عند توبي. أما أفنان، فتبقي الاناقة وتقلل من منسوب الفوضى الظاهرية والمتعمدة. تقول الفنانة المولودة في حيفا عام 1935 لعائلة فارسية: "أبدأ عملي برسم خط يقودني معه في مسار حياة يصنعها بنفسه، محوّلا إياي محض أداة في رحلته". إلا أن خلفية أفنان، وما يحضر في ذاكرتها (المنزل القديم، أشياؤه، ديكوره المليء بالخط ونماذج كتابية فارسية، والمكان الذي اضطرت إلى تركه وهي بعد طفلة عام 1949، والوقت الذي أفلت من جغرافيا إقامتها الاولى)، بالإضافة إلى كونها إمرأة تتسم بأناقة في الشخصية والمنزل، كلها عوامل أتت ثمارها لتشكيل وعي تشكيلي خاص بالفنانة، وتالياً لغة تشكيلية استقت من بول كلي، مارك روثكو، موديلياني، سيزان، تابيس، جاكوميتي، فولون، تشيلي، موراندي، وبالطبع مارك توبي، باعتراف الفنانة نفسها. الخط، لا ينطوي على وظيفة شكلية أو صورية بل تصويرية داخل اللوحة. فهو يحمل على عاتقه مهمة التكثيف، وأخذ حيز مكان اللون اولا (من الناحية التقنية)، ومن ثم مكان الفراغ. فهو في اللوحة مسؤول عن الاكتظاظ والفراغ، تالياً إيجاد التوازن ما بين مساحتين مفترضين، تُستدرجان ليؤدي تجاورهما بهذا الشكل العنيف (خط منمنم وغير مفهوم، مكتظ وكثيف ومستقل مدرك لمساره، في جوار فراغ يبدو تائها في ذاته، وتحضر فيه علامات الزمن القديم، إلى "رسم" ما تريد افنان البوح به، وهو إيفاؤها حق المكان، وإمارات الزمن السابق اللذين أفلا طبيعيا. الخط يتحول أداة طوبوغرافية، تنفرد باللوحة، وترتقي إلى منزلة ارفع من كونها وسيلة اتصال لغوية، أي تقنية فقط. فهي في أعمال أفنان، أداة دلالية، مجازية، ترسم رموزا وتنحاز إلى وضوحها في المقابل. تُسأل مليحة أفنان عن لونها المفضل فتجيب "الصدأ". وهو لون يثقل بالمعنى والسؤال في آن واحد داخل اعمالها. فهي تستعمله، تماهيا مع منطقها الخاص، وللإشارة الى قدمية الشكل، بشكل يتقافز احيانا ليطأ سقف العنف أو تعنيف الزمن المستحضر أو الزهريات والمساحات الأرضية والبورتريهات المتخيلة التي تنفذها الفنانة باسترجاعها وجوهاً عبرت خلال حياتها ولم تعد تحفظها.
علاقة مليحة افنان بالزمن هي علاقة حصرية بشق منه، بالماضي حصرا. لكنها باستخدامها اللغة، تجرأت على إدخال هوية إنسانية وتجربة شخصية مع المنزل الاول، تالياً النفاذ منه إلى الأمكنة، لاكتشاف العلاقة "الحاضرة" معها، التي بقيت محفوفة بالضباب والرؤية عن بعد، ومفتوحة على التجريب من جهة وتسخير معرفتها بأدوات فنانين سابقين من جهة اخرى. فحين تعترف الفنانة بميلها الى أمال بول كلي وموديلياني وتوبي وغيرهم (نلتفت هنا إلى غياب أسماء كبيرة بالمعنى الشائع كبيكاسو وفان غوغ مثلا)، فإن في ذلك ادراكا لحساسية الفنانة واحتفاء بهذه الحساسية على حساب حساسية الفنانين الكبار أنفسهم. وعندما نقارب امتداد الكتل اللونية ونسبتها المئوية في لوحة مارك روثكو، بلوحة "كان هناك مكان" للفنانة، نجد التقاطع بين خلفيتين لونيتين، مع تطوير أفنان للشكل بما يخدم تفاعلها مع الذاكرة، وانفعالها تجاه المكان تحديدا وتعمدها لابتكار خيوط حس سردي وإن ظل دفينا في كل لوحة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الشجرة الغريبة التي ترسمها أفنان مثلاً، ومقاربتها بالتوازن مع الفراغ المحيط بها، بوجوه بول كلي. زهرياتها العتيقة التي لا تشبه في شيء، صفاوة زهريات جورجيو موراندي وأوانيه، إلا انها تحتفظ بسطوة الصورة، كظل متفسخ وليس كاستنساخ من أعمال الفنان الاصلية. هذه المقاربات التي نذكرها هنا بشكل متعمد، تفضي إلى نتيجة واحدة، هي أن الفنانة أحجمت عن الانصياع لسلطة النهج الفني الأصلي، وشرعت لنفسها أبوابا جديدة لتنفذ إلى مسارات تتبع عبرها نفسها، ودفة ذاكرتها، مهجوسة بالابتكار والبوح، وإن بلون غامق داخلي