"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة النهار - العدد 24379: المحروسة من الداخل - عاصم بدر الدين

date: 
Mon, 05/23/2011

في كتابها "مصر التي في خاطري" الصادر حديثاً عن "دار الساقي" تسجل الباحثة اللبنانية دلال البزري بعضاً مما عايشته خلال السنين العشر التي أمضتها في القاهرة بين 1999 و2009. والحال أن هذه المشاهدات المسجلة لا تبعد كثيراً عن أساليب اللحظ العلمي إن لناحية التجريب المباشر والمعايشة أو الاستعانة بالسير الذاتية للشخوص المتناولين، والسعي لتقديم فرضيات تفسيرية لمآلات الأمور.

لا تنبع أهمية الكتاب من راهنية الحدث المصري، على أهميته، إنما من تجادله مع التجاذب الوجداني الذي يصرع المصريين من غير المصريين تجاه صورتي مصر المتخيلة والواقعية. ما أصاب الكاتبة، وقد تناولته في الفصل الأول، من صدمة نتيجة مفارقة الصورة المسبقة والمثالية لمصر لواقع أحوالها، أصابنا وإن بدرجات وهزات خفيفة جراء اصطدامنا المتتالي بتصوير غير رسمي لمصر، كانت "ثورة 25 يناير" أكثر دفعاته قوة. غني عن القول إن ما رأيناه وسمعناه عن الحياة الجوانية المصرية لم يكن بمستوى ما تسرده الكاتبة، أقله لناحية الدقة والتفصيل. حتى السينما التي ترى فيها الكاتبة مرجعاً إذ أنها "والحياة المصرية تكادان أن تكونا شيئاً واحداً"؛ لا تقول شيئاً غير الظواهر. إذ يبدو للقارئ أن الواقع المصري أكثر سينمائية من السينما نفسها لأسباب وجيهة تثبّتها الكاتبة. من الديكور الوافر حيث المكان المسكون بالتواريخ والنصب والمباني والمتاحف، إلى "بطء الحركة المصرية، المنسوب أحياناً إلى الصبر المصري الصميمي"، و"الجهوزية اللفظية" التي تحيل على الافتعال السينمائي.

في الفصل الثاني تجرّب البزري النقاب من داخله. ولا يفوتها تسجيل ملاحظات برانية عنه، تبدأ بسرعة انتشاره مقارنة بالحجاب، إذ ان "الأخير احتاج إلى عقدين وبضع سنوات ليأخذ طريقه إلى الغالبية العظمى من المصريات". ثم تسرد وقائع محادثتها الأولى مع منقبة يمنية تبرر زيها هذا بضرورات العمل في المجال العام. كما تلحظ، حين تكشف المنقبات عن وجوههن، "حيوية العيون والنظرات" عندهن، مقابل "جمود الخدين والذقن. فهل يكون النقاب، أي إخفاء الوجه خارج البيت، مدعاة لحالة الكسل التعبيري؟". للنقاب أشكال، كل واحد منها يعبّر عن طبقة مرتديته. إنه "الموضة الأنتي- موضة. موضة معادية للمصدر التقليدي الغربي للموضة". بيد أنها مقتصرة على النساء. إنه سلاح ضد عدوين: الفتنة والغرب. لكن لماذا تتنقب النساء؟

تقول الكاتبة أنها عند التقائها بأول مار في الشارع، بعد ارتدائها النقاب، شعرت بقوة هائلة، ذلك أن أحداً لا يستطيع أن يتفرس في وجهها أو أن يحدق في تفاصيل جسمها، على عكس ما كانت تلقاه من نظرات تأنيب في سفورها. في النقاب تصبح المرأة "كالدبابة تتقدم مثل الكتلة الواحدة، بثقة، محمية من سلاح النظر".
لا تتجاوز نسبة السافرات المصريات الـ5 في المئة. والحال أن هذه القلة معرضة يومياً لخطر الإدانة اللفظية أو الاعتداء بالضرب (الفصل الثالث من الكتاب). إنه طغيان الحجاب كما تسميه الكاتبة. صحيح أنه ليس مفروضاً بالقانون لكنه أقوى منه، "هو مثل الإرادة الجماعية المنجرفة بحرية نحو هدف واحد(...) إنها هيمنة بالمعنى الغرامشي، هيمنة طوعية، مطلوبة".

 

تلحظ الباحثة أن تبرير النسوة لارتدائهن الحجاب يختلف بين الرأي العلني وغير العلني. ففي العلني غالباً ما تقول النسوة إنهن ارتدين الحجاب "لأن الله يريد ذلك" أو ما شابه. بينما في الأحاديث الشخصية غالباً ما تستند التبريرات إلى مرجعيات غير دينية بل حيواتية ويومية، كضرورة المحافظة على الهوية أو أن ارتداءه من ضرورات العمل في الشأن العام، ذلك أن الجماهير لن تتقبل امرأة غير محجبة، أو بسبب وضعيتهن كمطلّقات وغير ذلك. والحجاب حاله حال النقاب، يشي، بأشكاله، بالانتماءات الطبقية لمرتدياته، إذ لا تني هذه الأشكال تتطور وتتبدل لتناسب الأذواق المتعددة.

ترجع الكاتبة الإلحاح في الدعوة إلى الحجاب إلى أمرين؛ أولهما الخشية الضمنية من أن النساء قد لا يكنّ مقتنعات بالحجاب ومقتضياته، خصوصاً مقتضى درء "الفتنة". وثانيهما الخروج الهائل للنساء إلى المجال العام خلال السنوات الأخيرة، إذ في هذا المجال وحده يكون للحجاب معنى.
الحجاب والنقاب، بما يفرضانه من ضبط قسري، يحيلاننا على التحرش. وهذه مفارقة تثبتها الوقائع المذكورة في الفصل الرابع. فإذا كان الحجب هدفه المبدئي "درء الفتنة"، فإنه يفعل النقيض. والحال أن علاقة الجنسين ليست واحدة في مصر إذ ترتبط بالخلفية الاجتماعية للطرفين، وبمكان الاحتكاك وضوابطه (المقاهي أو الكورنيش، مثلاً) الذي يحدد اختياره انتماءهما. غير أنها، في مقابل الاختلاف هذا، واحدة لجهة صدورها عن استعدادات وضوابط معممة على الكل ترتكز على المنع والسرية أو التورية. فالتحرش وإن بدا علنياً في بعض الحالات، يقوم في الأصل على سرية المباغتة. التحرش ليس حباً بل خوف. ولا يعني التقرّب، كما تقول الكاتبة، بل الاقتراب ولا هو تعبير وجودي عن التوق إلى الجنس الآخر. إنه مبني "على مفارقة الوحشة القائمة بين الجنسين". وفي تفاقمه وازدياده يعمق الانفصال بينهما ويحيل على المثلية الجنسية، التي تلقى ضروباً أشد من القمع إن لم تكن مرتبطة بعلاقات مغربنة تفرض نفوذها وسلطتها بإفرنجيتها هذه. إزاء علاقات مشوبة بالترقب والخوف الدائمين، في مجال عام ذكوري الغلبة، لن تكون حياة النساء، والسافرات منهن تحديداً، هيّنة. فالسافرة مدانة، باللسان واليد، لأنها كذلك. لأنها تخرج على الإجماع. لكن مأزقها ليس محصوراً بإشكالية حضورها في العام، بل في الخاص والذاتي أيضاً (الفصل الخامس). فعلاقة السافرة بالمنقبة أو المحجبة فيها شيء من الكدر. وعلاقتها بجسدها الظاهر قلقة. تحار الكاتبة ماذا تلبس كي تريح نفسها. لبنانيتها هم إضافي في بلد ينمط العلاقات والشخوص. الثياب الفضفاضة ضرورة لا مفر منها في الغالب. لكن أي ثياب بالتحديد؟ ذلك أن الثياب في مصر، حالها حال مجتمعات الاستهلاك ونزواته، ليست شيئاً نافلاً. هي الشخصية كلها. هي الأنا الكاملة.

 

يطغى على "مصر التي في خاطري" المتغير الديني باعتباره عنصراً مهيمناً في الاجتماع والثقافة المصريين. الدين المصري: فقه الطقوس، كما عنونت البزري الفصل السادس من الكتاب.
ما تسميه الكاتبة بـ"خطاب السرية"، واصفة به ردود فعل المثقفين المصريين على أسئلتها، يمكن تعميمه باعتباره سلوكاً جمعياً لا يقتصر على فئة دون غيرها. مصر، في حالتها هذه، كما لو أنها تخبئ نفسها لكي تحفظ في خاطرنا صورة ما عادت لها. على أن الثورة المصرية، في أول مطافها، فتحت حديثاً آخر بلغة أخرى. علينا أن ننتظر لنرى.