"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة النهار: الجميع غريب لان الوطن هو الغريب المفقود - خالد غزال

date: 
Mon, 01/17/2011

ينتمي كتاب مارلين نصر، "الغرباء في خطاب لبنانيين عن الحرب الاهلية"، الصادر عن "دار الساقي" في بيروت، باستقصاءاته وتحقيقاته، الى العقد الاول من الحرب الاهلية بين منتصف السبعينات ومنتصف الثمانينات من القرن الماضي، لكن مضمون التحقيقات الواردة فيه لا تزال تجد راهنيتها بعد عقود اربعة على اندلاع الحرب الاهلية، حيث يستفحل الحديث عن الغرباء ويتخذ منحى يتجاوز من هو غير لبناني، ليتحول اللبنانيون بطوائفهم ومذاهبهم ومجمل شعوبهم مجموعة من الغرباء بين بعضهم وفي وطنهم بالذات. قد تكون الامثولة الابلغ في اسئلة الكاتبة واجوبة الذين جرى توجيه الاسئلة اليهم، تتصل بالنظرة الى الاخر وكيفية التعاطي معه وحدود قبول العيش المشترك في ظل هذا الاختلاف. ولان الحرب الاهلية اللبنانية لم تنته فصولها بعد، وإن تكن جرت تحولات في طبيعتها قد تكون اسوأ وافدح في نتائجها السلبية على مجمل "الشعوب اللبنانية، فان هذه الاستمرارية تعطي تحقيقات مارلين نصر راهنية وتصب في قلب الصراع الطائفي والمذهبي المندلع منذ سنوات عديدة.

طاولت اسئلة المحققين شرائح وفئات واسعة من المجتمع اللبناني، سواء عبر الانتماء الطائفي والمذهبي، ام ما يتصل بالموقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، مما يعني تقديم صورة فوتوغرافية عن واقع المجتمع اللبناني وانقساماته، تالياً ثقافته او ثقافاته المتعددة، وفقا لكل قوة من قوى الحرب الاهلية. الجامع المشترك في الاجوبة يتعلق بحديث جميع القوى عن الغرباء، وتصنيف كل قوة للغريب وفق درجة العداء او الاختلاف. فالغريب لدى مجموعة واسعة من قوى الحرب الاهلية هو في الاصل من غير اللبنانيين، ولكن تحديدا من العرب والفلسطينيين خصوصا، اي من الذين يصنَّفون في خانة الانتماء الى الخارج، بحيث يمتد التصنيف الى لبنانيين "متهمين بانتماء عقائدهم وافكارهم الى الخارج"، فتتكاثر في الخطاب، الاشارات الى انتماء "الغريب" الى الخارج غير المحدد، وتنبع المشكلة من كونه موجودا في "الداخل"، ولكنه لا ينتمي اليه: "من برا"، "الدخلاء الى البلد"، "ناس برا". يتبين احيانا ان هذا "الخارج" هو "وطن آخر"، او "دولة اخرى"، مما يوسع المعنى الحديث للغرباء. في موازاة هذه النظرة لا تتورع القوى الموجودة في الضفة الاخرى عن اعتبار القوى الطائفية المتصارعة معها تنتمي الى خارج هو المشروع الصهيوني بقيادة دولة اسرائيل او الولايات المتحدة الاميركية او الغرب.

لكن الخطاب عن الغرباء خلال الحرب الاهلية تطور الى ابعد ممن هو غير لبناني ليطاول ابناء الوطن انفسهم، اي الطوائف المختلفة، حيث باتت تنظر كل طائفة الى غيرها بمنظار "الغربة". كان الانقسام الاجمالي خلال الحرب يتمحور على الانقسام بين المسلمين والمسيحيين، ولم يكن قد تذرر الى الانقسام بين الطائفة الواحدة كما حصل لاحقا. لذلك نجد في الاجوبة ما يشي بأن المسيحي يرى المسلم غريباً، والعكس بالعكس ايضاً، حيث تقول مارلين نصر: "ويبرز في الخطاب معنى لـ"الغريب"، ما قبل وطني، يمكن نعته بالطائفي، نختصره بالجملة الآتية: "الغريب" هو الذي لا ينتمي الى طائفتي، او "الغريب" هو الذي ينتمي الى طائفة اخرى. ويبرز هذا الاستعمال في الخطاب، في صيغتين متناقضتين، صيغة تأكيد، وصيغة نفي. تؤكد الاولى انه بالفعل "غريب"، ذاك الذي لا ينتمي الى طائفة بعينها، الا ان هذا التأكيد خجول، قليل الورود على لسان المتكلمين، وهو يختلف عن المعنيين السابقين (الغريب من دم آخر ومن جيرة اخرى)، كون المتكلم يطبقه على ذاته، الذات الفردية (انا)، او الذات الطائفية (نحن)".

لكن الخطاب عن الغرباء اتخذ منحى تصعيديا ومختلفا الى حد بعيد عما عرفه خلال السنوات الاولى من الحرب الاهلية. في السنوات الاخيرة، ومع تصاعد الاصطفافات السياسية واتخاذها حجما داخليا نوعيا، لم يعد الغريب يقتصر على الخارج، بل امتد الى ابناء البلد انفسهم. تسبب الانقسام السياسي الحاد والمقترن بخطاب طائفي فئوي وغوغائي، مستخدماً سقط المتاع من اللغة السياسية، في اعتبار كل طرف لخصمه غريبا يجب نبذه. وصل الامر الى اتهام القوى المتصارعة بعضها للبعض بالعمالة والخيانة والولاء للخارج، بحيث بات الشعب اللبناني في مجمله يقيم في الخيانة والعمالة. لم يعد الانقسام طائفيا اجماليا، بل بات ضمن الطائفة الواحدة، بل داخل البيت الواحد، حيث يكون المقياس من هو مع فريق الثامن من آذار او الرابع عشر منه. مما يعني ان اللبنانيين كلهم غرباء في وطنهم وفق منطق كل طرف من الاطراف المتصارعين.
يقدم كتاب مارلين نصر صورة عن مدى التفسخ الوطني والاجتماعي في لبنان، وعن الفشل في بناء وطن يسوده الحد الادنى من الاندماج الاجتماعي، ويرى فيه اللبنانيون انفسهم مواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات. كشفت الحرب الاهلية المتوالية فصولا منذ اربعة عقود، عن هشاشة المواطنية الللبنانية، واظهرت بشكل فاقع كم ان الطائفية متجذرة بين اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم الطائفية او مواقعهم الاجتماعية، وكم تكبل اللبنانيين بقيد غليظ، ويسيطر على مجمل تفكيرهم وسلوكهم بحيث يصعب تنفسهم خارج الاطار الطائفي، مما يعطي القول القديم – الجديد كل اهميته، بأن "على اللبناني ان يولد ويعيش ويموت طائفيا".