"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة النهار : التاريخ المحرّم - محمود الزيباوي

date: 
Sat, 07/02/2011

تحت عنوان "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين"، يدخل حسام عيتاني في تاريخ يبقى إلى اليوم محرّماً في العالم العربي، مستعرضا روايات عدة وصلتنا من شعوب دخلها الإسلام فى زمن الفتوحات الكبرى. "من الإخباريين البيزنطيين إلى القساوسة الأقباط ورجال الدين الزرادشتيين والمؤرّخين الصينيين، إلى المدوّنين اليهود والرهبان الأسبان، ترتسم صورة مختلفة وجديدة للفتوحات العربية بصفتها حدثاً عالمياً". الكتاب عن "دار الساقي" في بيروت، من أحد عشر فصلا تعالج جوانب عدة من هذا التاريخ الشائك، وتدعو "إلى إعادة تقويم الرواية التقليدية العربية للفتوحات".

عام 1951، صدر في القاهرة كتاب "أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام 1922"، وهو بحث تاريخي علمي أنجزه الدكتور جاك تامر، اللبناني العامل في مكتبة القصر الملكي. افتتح الكاتب هذا البحث بكلمة جاء فيها: "لست مسلما ولا قبطيا. وقد تعرضت لموضوع العلاقات بين الأقباط والمسلمين بدافع المؤرخ الذي سرد الحوادث على حقيقتها لا بشعور القاضي، الذي يحكم بين طرفين. ومن البديهي أن يثير هذا البحث بعض التعليقات غير أني أرحب بكل من يحيطني بوجهة نظره أو يتحفني برأيه". أثار الكتاب يومذاك ضجة هائلة، واعترضت جماعة "الأخوان المسلمين" بشدة عليه، ورأت أنه يسيء إلى مفهوم السيادة الإسلامية، وذلك بتبنيه مقولة "اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية" التي روّج لها المستشرقون. يعكس هذا السجال الصعوبة التي يواجهها هذا النوع من الأبحاث في عالمنا، ويفسّر إلى حد ما حصرها باللغات الأجنبية إلى يومنا هذا.
كشف البحاثة منذ نهايات القرن التاسع عشر عن مجموعة من المخطوطات المسيحية الشرقية تتطرّق إلى زمن الفتوحات. في العقود الأولى من القرن العشرين، أُضيفت إلى هذه المخطوطات مجموعة أخرى من الكتابات، وباتت هذه النصوص النادرة مدخلاً للتعرف إلى هذه المرحلة الفاصلة من التاريخ العالمي. بعد نشر هذه النصوص وترجمتها إلى اللغات العالمية، بدأ المؤرخون المختصون بتحليلها وتشريح ما جاء فيها في دراسات أكاديمية تتواصل في زمننا الحاضر. تحولت بعض هذه الدراسات مراجع علمية ثابتة يعرفها كل العاملين في حقل العلاقات المسيحية - الإسلامية، غير أن أياًَ من هذه الدراسات لم يُنقل إلى العربية، نظرا الى حساسية الموضوع وما يثيره من إشكاليات. في الفصل التاسع من كتابه، يتناول حسام عيتاني مسألة "الرد الأول لمسيحيي الشرق" على الإسلام، ويتوقف أمام كتابات يوحنا الدمشقي، أوّل لاهوتي يتناول الإسلام بشكل مباشر، فيستشهد بما كتبه أسد رستم عنه، ويرى أن هذا الكلام "يكاد من الرقة ألاّ يقول شيئاً، وهو ما يبدو نهجاً معتمداً عند عدد من الكتّاب المسيحيين الشرقيين الحديثين والمعاصرين"، ويمكن القول إن ملاحظته صحيحة إلى حد كبير. في الفصل الأخير، يستعرض الكاتب بعض الكتابات الاستشراقية المناوئة للإسلام، ويضيف "إن الثقافات غير الإسلامية التي واجهت الفتوحات العربية لم تبخل على العرب وعلى الإسلام وعلى شخصيات الدين الجديد الرئيسة بكل ما يمكن تصوره من أوصاف"، ويضيف بين قوسين: "تحاشينا إيرادها هنا لأسباب معروفة". هكذا يسير الباحث وسط حقل من الألغام، ليقدّم "للمرّة الأولى باللغة العربية، الروايات التي سجّلتها الشعوب المغلوبة عن الفتوحات، بالاستناد إلى المصادر الأصلية"، كما تقول الكلمة المنشورة على غلافه الخلفي.
 

أبناء هاجر

يستعيد الباحث مجموعة من الأبحاث صدرت بلغات أجنبية، مستنداً بشكل خاص إلى أبحاث انكليزية، أبرزها كتابان مكرّسان عالمياً في هذا المجال، أوّلهما: "الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي"، الصادر عام 1977، وهو بحث حمل توقيع الدانماركية باتريسيا كرون والإنكليزي مايكل كوك. وثانيهما  "سراسنة: الإسلام في المخيلة الأوروبية في القرون الوسطى"، وهو بحث للمستشرق الأميركي جون فيكتور تولان نشرته جامعة كولومبيا عام 2002. تتصدر كتاب "الفتوحات العربية" أولى آيات "سورة الفتح": "إنا فتحنا لك فتحا مبينا"، وتتبعها آيتان من "سفر التكوين" يخاطب فيهما ملاك الرب هاجر: "أنت حبلى، وستلدين ابنا فتسمّينه إسماعيل، لأن الرب سمع عناءك. ويكون رجلا كحمار الوحش، يده مرفوعة على كل إنسان، ويد كل إنسان مرفوعة عليه، ويعيش في مواجهة جميع إخوته". تختصر الآيتان التوراتيتان موقع إسماعيل في المخيلة اليهودية، وهو موقع يتعارض كليا مع مقامه الإسلامي، ويخرجه من خريطة الوعد الإلهي المعقود مع إبراهيم وسلالته، كما يتبين في الفصل الأول من الكتاب. أطلق الكتّاب المسيحيون على الفاتحين المسلمين تسميات عدة، أبرزها "السراسنة"، "الطائيون"، و"الهاجريون"، وهي تسميات تتصل بإسماعيل ونسبه، وتؤكد الرواية التوراتية السائدة في العالم المسيحي في القرون الإسلامية الأولى. يأتي الفصل الثاني، وفيه لمحة عن الحروب البيزنطية - الفارسية التي أنهكت الأمبراطوريتين ومهّدت لدخول الفتوحات السهل في مواجهة "عملاقين بأقدام فخارية".
ندخل في صلب الموضوع مع الفصل الثالث، وعنوانه "سيوف من شهب". وفقاً للتقليد السائد في القرون الوسطى، رصد المؤرخون المسيحيون الأحداث من وجهة دينية بحتة، واعتبروا انتصار العرب "عقاباً من الله على ذنوب سابقة". يتوقف حسام عيناني أمام كتابات بطريرك أورشليم سوفرونيوس الذي عاصر عهد الفتوحات، وهي كتابات جاءت على شكل عظات، وأهميتها تكمن في كونها تسبق "حديث المصادر العربية عن أحداث تلك الأعوام بقرن ونصف القرن على الأقل"، وتمثل القراءة البيزنطية لهذه الأحداث. تلي هذه النصوص شهادة المؤرخ الأرمني سيبيوس الذي عاش وكتب في القرن السابع، وفيها حديث عن رجل "ظهر بين العرب وأعاد الاعتبار إلى صلة النسب التي تربطهم باسماعيل، بإيحاء من اليهود، وقرر دفع بني قومه إلى استعادة الأرض الموعودة في فلسطين". هكذا يظهر دخول الإسلام هنا كـ"أداة للعقاب والغضب الإلهيين لخطايا المسيحيين"، وهي الفكرة التي تتردد وإن بشكل مختلف في نصوص الفرق المسيحية المتحاربة عقائدياً، وتبتعد كلياً عن تفسيرات المستشرقين الحديثين التي تركّز على الأسباب الإجتماعية والظروف التاريخية بشكل أساسي.
يخصص حسام عيتاني الفصل الرابع لفتح سوريا، ملقيا الضوء على رواية ثيوفنس البيزنطي التي "تختلف كثيرا عن الروايات العربية للمعركة". بين الرواية العربية والرواية الرومية تحضر الرواية السريانية، أو الرواية الشامية للتاريخ العربي"، "التي تعرضت إلى حملة منظمة لاجتثاثها من الأذهان قبل التدوين الكبير للتاريخ العربي في العصر العباسي". يختم الباحث فصله بحديث عن "المردة"، وهي قضية شائكة تحولت معركة أدبية بين المؤرخين الموارنة والمؤرخين اليسوعيين في بدايات القرن العشرين. يجنح الكاتب إلى النظرية التي تعتبر "المردة من القوات التي أرسلها الأمبراطور إلى أراضي العرب وإلى جبال لبنان"، وهي المقولة التي وصل إليها أهل الاختصاص اليوم بعد عقود من السجال المتواصل. من سوريا، ننتقل في الفصل الخامس إلى مصر حيث يقارن الكاتب بين روايات السريان والأقباط من جهة، وروايات الروم من جهة أخرى، متوقفاً أمام رصد يوحنا النقيوسي الذي عاصر دخول العرب إلى مصر وترك حوليات تشكل رؤية قبطية للفتح الإسلامي.

 

السكوت الفارسي

نترك عالم المسيحيين الشرقيين لندخل عالم إيران في الفصل السادس، وتبدو دراسة هذه الحقبة أشد صعوبة بسبب قلة المصادر الفارسية. قيل إن الفرس اختاروا الصمت، وقيل إن هذه الحالة "امتدت ما يزيد على مئتي عام"، وراجت في هذا الميدان عبارة "قرنان من السكوت". كما في العالم المسيحي، حلت النبوءات مكان التاريخ، وسادت الرواية الدينية للأحداث، اي الرواية الماورائية التي تنقل الأحداث من وجهة إلهية. يستعرض المؤلف المصادر الزرادشتية الشحيحة، ويتبعها بحث في المصادر الصينية في الفصل السابع. نعود إلى عالم الأديان التوحيدية في الفصل الثامن حيث تبرز الروايات المسيحية التي تجعل من الفتوحات "مؤامرة يهودية". تتقاطع هذه الروايات مع الحوليات اليهودية التي ترى في صعود الإسلام إنتقاما إلهيا من البيزنطيين، وقد تردّد صدى هذه الحوليات في الروايات العربية، وأشهرها تاريخ الطبري. يستكشف الباحث هذا التداخل بحذر، ويضيف معلقا: "نقفل القوس هنا مع الإشارة إلى أن التداخل الديني اليهودي الإسلامي لا يزال أرضاً حراماً، على الرغم مما تختزن من احتمالات معرفية كبيرة، بسبب الصراع السياسي المعاصر".
يقدم الفصل التاسع خلاصة للعلاقات الشائكة بين الغالبين والمغلوبين منذ الفتح إلى سقوط الأندلس، وذلك في عشرة أبواب مثيرة، ويشكل الفصل العاشر قراءة تحليلية لهذه الخلاصة. أثقل حسام حيتاني بحثه الشائق بفصل زائد جاء بمثابة رد طويل على السجال الذي افتتحه إدوارد سعيد في كتابه الشهير عن الإستشراق. دخل هذا الرد في "متاهات الاستشراق"، فخرج على موضوع الكتاب الرئيسي، وجعل القارئ يتيه، ما أفقده الكثير من المتعة التي رافقته خلال تتبع الفصول.