"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "النهار": "الأسبوع الأخير" لهالة كوثراني.. حركة ذات ساردة وشعرية لافتة - محمد العشري

date: 
Sat, 07/31/2010

"في بيروت التي أعيش فيها منذ ولدت، توقفت حياتي، جمدت وتوقفت الحركة فيها،والأوجاع التي سبّبها لبيروت جيل أبي خلال الحرب وبعدها، أعانيها أنا". من شعوربالبرودة وإحساس بالمرارة كهذين، تبدأ الكاتبة هالة كوثراني روايتها "الأسبوع الأخير"، الصادرة عن "دار الساقي" في بيروت، في محاولة جادة للمس التوترات التي تملأ حياة فئة كبيرة مناللبنانيين في بيروت والتغلب عليها. يتكشف للقارئ منذ اللحظة الأولى أن الذاتالساردة تعي محنتها، وتسعى إلى أن تحافظ على ذاكرتها حية: "هكذا أدافع عن ذكرياتي لأن الثقب الذي تحفره الوحدة والتعب من الأيام المتشابهة داخل رأسي يسمح بهروبألوان الأيام الجميلة وغير الجميلة".
تمتد المساحة التي تقف عليها الذات لترصدوجعها، معاناة جيل شاب، أورثه الآباء صراعاً، ودماراً، وتناحراً، أفقدت بيروتروحها، وأفقدت ذلك الجيل انتماءه، وجعلت الهروب من حدودها إلى الدول الخليجية غاية: "بعد أسبوع سأجد نفسي في دبي التي سبقني إليها نصف أبناء جيلي". تلك الهجرة وهذاالهروب الجماعي لهما دوافعهما وأسبابهما المتعددة، أهمها أنه لم يعد هناك مجالللعمل، أو للحب، أو للأحلام: "ليس سهلاً في بيروت أن أدخل عامي الثالث والثلاثين بلا رجل أو عائلة أو عمل أو حتى حلم". ما يمكن أن يضمد الجرح، ويوقف الألم في قلبشابة قادرة على أن تغيّر نفسها، وأن تغيّر العالم من حولها وتلوّنه، إن وجدت ذاتهامتحققة، وكيانها فاعلاً في المكان الذي تعيش فيه.
ذلك الهروب من وجه بيروتالجديد، الذي لوّنته الحرب وغيّرت معالمه، فأصبح هذا الوجه غريباً لا تعرفه الذات،على رغم ذوبانها فيه: "صرت دائماً في حالة انتظار، انتظار الجرأة التي ستحملني إلىدبي حيث وجدت عملاً"، وهذا ما جعلها تسعى خلال أسبوعها الأخير أن تجد ما يجعلهاتبقى، ما يجبرها على البقاء، بالسعي إلى بناء علاقات صداقة قوية، مع أناس باقين،تجذبهم عوالمهم بالاندماج في ذواتهم على مستويات عدة، تتدرج من الجدة والصرامة، إلىالانغماس في اللهو حتى منتهاه. مثل علاقتها وتفاعلها مع كثيرين: وسيم، وليد، مي،عامر، وكمال: "أعجبه قلقي الثلاثيني وترجحي بين الحاجة إلى التحرر وإلى أن يقبل بي الآخرون في الوقت نفسه". كذلك صديقتها ليلي مع يوسف وأصدقائه، التي مثّل حضورهاالوجه المكمّل للذات: "كانت ليلى تتجاوز دهشتي وتعلمني أن أجد الجمال والحب"، وهوما بدا واضحاً في انطلاقها، ومرحها، وشغفها بتجميل الكون من حولها، وجنونها،وانتحارها في النهاية: "سأجد نفسي أحتفظ فيَّ بصورة لامرأة أخرى، ولعلي سأحكي عنامرأة أخرى، عرفت وجهاً من وجوهها ولم أعرفها كلّها". تلك هي ليلي التي انتحرتوخلفت وراءها عاطفة، وغموضاً، وجرأة أفقدتها حياتها من دون أن تخبر أحداً بما كانتتنويه، وهل حقاً كانت تنوي ذلك؟ أم إنها مرت بلحظة خاطفة خطفت منها روحها، ولم تتركصورة في الإطار يدل عليها، على رغم ولعها بالصور.
وكما صارت بيروت غريبة علىالأبناء، صارت لا يعرفها الآباء: "لا يكاد والداي يغادران الشقة. لا يحبّان بيروتالجديدة التي بنتها الحرب بعدما هدمت مدينتهما، ولا يعرفان التنقل بين شوارعهاوأزقتها، ولا يستطيعان التعرف الى أصواتها وروائحها. أصبح من يحيا في الداخل منعزلاً عما حوله، ومنغلقاَ على ذاته، ومن يحيا في الخارج لا يفكر في العودة، ومن يستعد للرحيل ينسى أن يفكر في العودة قبل رحيله".
استطاعت هالة كوثرانيأن تُبقي القارئمشاركاً معها في أسبوعها الأخير، في نشاطها وخمولها، يتابع بشغف حركة الذات الساردة هنا وهناك، توتراتها في عالمها الذي يبدو رهيفاً،بسيطاً، بلا تعقيدات أو تشكيلات ضخمة، لكنه مبطن بكل ذلك، يشي بما تمتلئ به الذاتمن زخم، وثراء، واتساع، وهو في حاجة إلى أن يتمدد، ليحمل القلق والتوتر في منطادالهدوء، ويعلو بالذات كي تتسع الرؤية أكثر، ويصبح عالمها ومكانها في قبضة اليد،حينذاك يتسرب من قلمها على مهل، كماء يروي، تكتبه كما تشاء أو كما أرادت وخططت لهمن البداية، في أن تسرده في "الأسبوع الأخير" برشاقة وتكثيف الشعربصورة لافتة.