"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "المستقبل" (ملحق نوافذ): كي يستمر الذكاء في هذه المدينة - يوسف بزي

date: 
Sun, 07/25/2010

 

 

عباس بيضون مقيم في المستشفى. أجنحته مكسورة ويداه لا تجذفان. من المشي اليومي الى غرفة العمليات.. في ومضة سهو مشحونة بالرعب. عباس المفؤود تحت مباضع الطبيب مجدداً: مقاسات جديدة للكبد، ترتيب مريب للأحشاء، صدع حارق في الحوض، وكسور عشوائية. عباس يحمل الآن وزر قلبه وعظامه تحت ملاءات السرير البارد.
يخيل إليّ أن عباس قضى عمره في سوء تفاهم مع جسمه، عراك مستمر بالأحرى بينه وبين بدنه. هذا الخصام كان يجعل عباس أبعد قليلاً من جسمه، وكان يجعله خاسراً دوماً ازاء هذا التمرد المتصل من رأسه إلى قدميه. يداه اللتان تروحان أكثر مما ينبغي، أو تتحركان من غير درايته. رأسه الذي لا يستريح ولا يرضخ. الفم الذي يبتلع أكثر افكاره وضوحاً، الجذع الذي يتأخر عنه باستمرار، ولا مرة اتفق عباس مع جسده على جلوس أو قعود. حتى قلبه خاتله ذات مرة.
عباس بيضون بين عقله الفائق التنظيم، الانضباطي، المرتب، والملهم، وبين جسمه المتمرد... أمضى عمراً من الحيرة والارتباك والوساوس. انه جسم بلا "تربية"، يأخذه الى مشقات غير ضرورية تلازمه كبطاقة شخصية.
هذه المرة أخذه جسمه الى أقسى عتمة مفاجئة، إلى أقصى مجازفة، هناك في عزلة حمقاء بـ "العناية الفائقة". في المرة السابقة استطاع عباس ان يدبر ذاك الثقب في التجويف الصدري، الآن عليه "ان يُضحك الموت ليعود بثمن أقل"، عليه ان يحفظ الصرخة بين أسنانه وأن يحقق النبؤة التي كتبها مئة مرة. ومع الواجب الجهنمي للدم، عليه أيضاً أن يُخرج تلك الوساوس دفعة واحدة.
ما الذي ذهب به الى عراء جسر فؤاد شهاب حيث ميدان السيارات المجنونة؟ الى أي موعد أو هدف؟ على الأرجح دفع عباس ثمناً باهظاً لهذا "الانفصال" الخفيف بينه وبين ظله.
في السنوات الأخيرة انغمس عباس بيضون في هاجس كبير واحد: الدخول الى داخله. محاولة فهم وجوده البيولوجي. سعي كئيب لتحقيق إلفة مستعصية. تحسسه المستمر واستكشافه العنيد لكينونته الفيزيولوجية: البلعوم المجروح، أثر جرح عملية القلب المفتوح، فقرات الظهر، صلعة الرأس، الأظافر، ضلوعه المتألمة، سوائل الجسم المحرجة، إبطه، جبينه المشتعل.. كل هذا كان سؤال فكره ولغته وعبارته. كان وعيه "التشريحي" يشيد كل قصائده.
كان يتتبع صورته: العينين، الفك، الأنف، الذقن. يقول في "
الموت يأخذ مقاساتنا": أصمت وأوجّه وعيي كبطارية مشحونة وليس عندي سوى ذلك لأسيطر على التنين الصغير الذي يعمل في حلقي أو الحشرة ذات القوائم التي تلعب فيه. أهدأ تماماً لكي لا يُسمع خوفي، لكي لا يُسمع شيء في رأسي أو مخيلتي، أو حنجرتي التي أصارع منذ ليلتين في قناتها الضيّقة".
الشاعر الآن يصارع فظاعة الألم، من أجل استعادة تلك العافية، من أجل صون جسد كان غريباً، وبات "يعرفه" عبر أكثر السبل وجعاً.
عباس بيضون متعب في المستشفى، يعمل على شحنة انبعاث. ومع كل تنفس، بمعونة الشاعر، يزيح ألماً من عظامه، ويحفظ الرؤية في نظره. انه ينتظر جسمه، ونحن أيضاً، مع حقيبة الحظ (التي سنستبدلها بسلة العثرات)، ننتظر "الجواب" لا الخيانة.
العدالة سنطلبها فيما بعد، حقيقة الحادثة ليست أمنيتنا الآن، المهم ان "يعبر" عباس الى الحياة المقبلة بين المنزل والمكتب، برفقتنا، بعد ان يستولي مجدداً على جسمه.. لكي يستمر الذكاء في هذه المدينة، ولكي تبقى أعجوبة الشعر تمشي على قدمين.
اننا ننتظر الجواب، لا الخيانة.