"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "المستقبل" (ملحق نوافذ): كأنها، على قسوتها، منسابة لنجتمع على حب عباس - حسن داوود

date: 
Sun, 07/25/2010

 

 

لا بدّ من ذلك الإحساس القليل بالخطأ، أو بالذنب. ذاك أنّي كنت على وشك أن أتّصل بعبّاس وأقول له، وقتذاك في الساعة السابعة، لأقول له إنّي سأمرّ على بيته لنبدأ جولة المشي معا. أحبَّ ذلك قبل أربعة أيّام أو خمسة، قال لي ونحن نعود إلى السيّارة بعد أن قطعنا الكورنيش ذهابا وإيابا، أنّني أرحته من مشي الليل. ذاك ما كان يفعله كلّ يوم، بادئا رياضته في الثانية عشرة أو الواحدة، ليلا أو بعد منتصف الليل. كان ينبغي عليه الإلتزام بذلك، بسبب مرض قلبه الذي كان قد خذله قبل سنوات، وقد أجريت له عمليّة جراحيّة صعبة في ذلك الحين.
ولا أعرف إن كان يجد في رياضته تلك، أو نزهته، مرافقين يمكن لهم الإلتزام بما أحسبه، أنا الذي يبدأ النوم بالإلحاح عليّ إبتداء من العاشرة، قصاصا يوميّا. السهر معقول، أو مفضّل، إن كان للمنادمة والمسامرة، أما للرياضة، فهذا يمكن فهمه فقط إن قلت في نفسي إنّ عباس أدرج خوفه على قلبه في النصف الثاني من وجوده. النصف الذي لا ينبغي إهمال شيء فيه. النصف الذي لا تجوز فيه الغفلة أو الإهمال. في عبارة أهديتها له موقّعة على الصفحة الأولى من كتاب، كتبت، واصفا إيّاه، أو واصفا ما هو حياته، أنّه "الدقّة في قلب الفوضى". تلك معادلة أخرى لتلك الثنائيّة التي تجعله يدير عقله بتركيز يتطلّب منه جهده كلّه. وربّما اقتضت منه تلك الدقّة، في الكتابة والكلام، أن يتحوّل العيش اليومي إلى نوافل كان يحبّ أن يتناولها بالفكاهة، لتسلية مجالسيه، أو الماشين معه، كما لتسلية نفسه أيضا.
وهو يخلّ بتلك المعادلة في أمور كثيرة، فيُدخل بعضا من ذلك النصف، نصف اللهو والتسلّي، إلى نصف "الدقّة" فيصعّب الحياة على نفسه. أمّا من يعرفونه، فيمكنهم تخيّل نوع التعب الذي يلمّ به حين يضطر إلى أخذ الأمور كلّها على مأخذ الجدّ. في أحيان كنت أتساءل من أين يأتي بكلّ تلك القوّة التي يتطلّبها عيشه، عيشه هو أقصد الذي يبدو صعبا قويّ الوطأة في نظر أصدقائه. ربّما بسبب ذلك كان يصعب على عارفيه أن يتخيّلوه في واحدة من صور الإستراحة التي يكافئ الناس بها أنفسهم. كأن يكون جالسا على كرسي طويلة تسع كلّ جسمه متمدّدا، وفي نصف غفوة. في سنوات كثيرة سبقت كان يأتي إلى بيروت من بيته في صيدا ليمكث يومين من كلّ أسبوع، الخميس والجمعة على ما أذكر، تلبية لتطلّب عمله في الجريدة. وأنا، المقيم في بيروت إقامة متّصلة، كنت أسأله، ونحن بعد في نهاية اليوم الأوّل، ماذا في بيروت يا عبّاس؟ ليجيبني مسميّا المعارض الجارية في الغاليريات واللقاءات التي تُعقد في المنتديات، وماذا يدور بين المثقّفين وفي أوساطهم.
وما يبقي الحياة صعبةً تصرّفه الآن، بعد أن جاوز الستين، بالنحو ذاته الذي كان حاله عليه وهو في الثلاثين. من ذلك مشيه، ليس فقط للرياضة الليلية تلك، بل المشي العادي في شوارع بيروت لتصريف أمور العمل والعيش، واعتباره أنّ ما كان يفعله شابا سيظلّ يفعله، بالسعي ذاته، في كلّ وقت. في أحيان يصعب علينا تعداد الأمثلة، فنروح نستعيض عنها باستحضار الصور، تلك التي منها مثلا تخيّل الشخص في حركة يبدو بها كأنّه يسابق نفسه أو يستعجلها. وذلك هو عبّاس. التعب الذي يغري الكتّاب بالظنّ أنّ ما سبق لهم كتابته ونشره كاف ليكون إنجازهم لم يكن بين ما يخطر لعباس الركون إليه. عباس بيضون ليس من هؤلاء. إلى جانب شعره الذي لم يتوّقف عن الذهاب فيه إلى أبعد، وإلى جانب مقالاته ونصوصه التي توسع على الدوام بصيرة قارئيها، كتب ثلاث روايات كان يمكن لها أن تكون نتاجا أدبيا تاما لكاتب غيره.
وهناك كتّاب كانوا يُجزَوْن على ما أنجزوه فيتخفّفوا بذلك من الأثقال التي ترهق كواهلهم . بعض من هؤلاء حظيوا بذلك من قبل أن يباشروا مشروعهم الكتابي الحقيقي. بعض آخر كان يرتقي بذلك تباعا حيث تُستدخل إلى الأدب مسائل متصلة بالإجتماع أو بالسياسة أو بسعي الأدب إلى إيجاد قرابة بينه وبين "مهن" أخرى تحمل أصحابها إلى ما يسعون إليه من وجاهة. عباس بيضون ظلّ مؤثرا أن يبقى الشعر حيث هو، مقطوعا عن أيّ صلة بذلك الفوران الذي يجري خارجه. مرّة أخرى أقول إنّه لم يتغيّر، أقصد أنّه ،الآن، كما كان في ثلاثينه أو أربعينه. هو باق، في "البروفيل" ( على ما هو دارج استعمال العبارة) ذاته. يلبس كما كان يلبس. يعمل كما كان يعمل. يصاحب كما كان يصاحب. كأن لم يكبر شيء فيه إلا كتابته. وإذ نروح نتحدّث عن الشغل يبدو، وهو في هذا العمر، مثل أولئك الشبّان الذين يتحدّثون عن مستقبلهم كيف سيكون.
ذلك القاموس الذي منه تؤخذ عبارات التكريم التي تمنح للكتّاب لا نجدها قابلة للإستعمال في حالة عبّاس. سيبتسم، بل وسيضحك، إنْ وصفه أحدهم بأنّه "شاعر كبير". وإزاء "تكريمات" أخرى مماثلة سيروح يُعمل سخريته التي يؤثر أن يكون موضوعها هو نفسه. هذا النوع من السخرية هو بين الأشياء التي لم تتبدّل أيضا عند عباس. لم تأخذه روعة شعره إلى أن يتصرّف تبعا لما بلغه هذا الشعر. كأنّه ما زال يرى إلى نفسه في مرآته القديمة أو كأنّه، إذ ينظر في المرايا، على اختلافها، لا يرى إلا نفسه إيّاها.
تلفنتْ ماري كلود في السادسة والنصف صباحا لتقول إنّ عباس في المستشفى. قالت إنّ سيّارة صدمته في الليل بينما كان يمشي قاطعا أوتوستراد الرينغ. وهي راحت تعدّد ما أصاب جسمه من جرّاء ذلك، مقرّبة إيّاي، كلمة بعد كلمة، من الفزع. لا يفيد هذا، قالت لي حين وصلتُ إلى المستشفى. لا يفيد أن أبدأ بالقول إنّه خطر لي أن أتلفن له في حوالى السابعة لأمرّ عليه ونذهب سويّا لنمشي على الكورنيش. كنت ربما وفّرت عليه مشي الليل، كما حدث في المرة الماضية، منذ أربعة أيّام أو خمسة.
في سريره الضيّق، ذاك الذي تحيط به وتعلوه الأنابيب والآلات وأكياس الأدوية والأمصال جعلني، للحظات، أعرف نوع الألم الذي يأتيه كلما أستفاق من تنويمه. من يعرف عباس حقا سيمكنه أن يعرف ذلك. من شعره ربما، من أوقات عصيبة مرّت عليه، ومن ملامح في وجهه كانت تمسحها سحنة المزاح التي يحبّ أن يرى فيها.
أكثر من مئة إتصال في اليوم كان يأتيني بها ذلك التلفون الصغير. وكنت أبدّد المخاوف متّكلا على عبارات سريعة يقولها الأطبّاء الذين لا أحد يعرف لماذا هم قليلو الكلام هكذا. "لكنّه يتحسّن، سؤالا، للأطبّاء، بعد سؤال. وقد أغرانا ذلك بأن ننزل إلى الكافتيريا ونبدأ بتذكّر الطرف التي ألّفناها عن عباس وألّفها هو عن نفسه.
سلامتك يا عباس، وهنيئا لك، كلّهم يحبونك.