"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "المستقبل": كيف فشلت حركة الاستنارة الحديثة العربية؟

date: 
Wed, 06/30/2010

صدر عن "دار الساقي" "المعادلة الصعبة، فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية" لعبد الواحد المكني.
الكتاب ينطوي على مجموعة من البحوث والتأملات، كتبت خلال سنتين (2007 ـ 2009) متمحورة حول اشكاليات تجديد الكتابة التاريخية أو ما يعرف بـ"التاريخ الجديد".
وفي التوطئة يذكر الكاتب "اعتيد الشغف" بـ"التاريخ الكبير" أي تاريخ الشدائد والملاحم والبلاطات وفي المقابل، تخيّرت الكتابة الجديدة للتاريخ الاهتمام بالمتروك والمنسي فتوقفت عند تاريخ الاغفال والمغيّبين والمهمّشين وتاريخ البسطاء والعاديين من الناس. بل سار المؤرخون الجدد في الغالب عكس التيار الى أن اتهموا بـ"مناصرة الشيطان".
لا يوجد تاريخ نفيس وآخر خسيس! هناك فقط مواضيع محرجة ومستفزة لسُبات العقل وأخرى لماعة براقة تروجها ثقافة المنتصرين!
وفي السياق ذاته لا يوجد تاريخ حيادي، وبالتالي لا وجود لمؤرخ حيادي" ليرى المؤلف "أن نعت "الالتزام" استُهلك وأفرغ من محتواه، فلنقل ان الكتابة التاريخية الجديدة تنتصر لحركة الاستنارة وحمولتها الفكرية والمعرفية، وهي تحاول الغوص على فهم جذور العطل و سبب تجدد الغفلة والجمود وسيطرة الكتلة التاريخية المعاكسة والرجعية". ويضيف "كاتب حركة الاستنارة في البلاد العربية أكثر فاعلية عند قيامها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لكن بعد قرن ونصف القرن تسير الأمور سيراً عكسياً، فالموجود دون المنشود. لقد فشلت حركة الاستنارة العربية في المساعدة على الاقلاع بالمجتمع نحو الحرية وفي تكوين لبنات الدولة المدنية الديموقراطية وفي ترسيخ الفكر العقلاني الناهض: انه النكوص التام".
وهنا مقدمة الكتاب بقلم الكاتب:

الأنتربولوجيا التاريخية
وتجديد خطاب المؤرخ
ارتهنت الكتابة التاريخية منذ مدة مديدة بالأنتروبولوجيا وحكم على العلوم التاريخية بأن تكون "أنتروبولوجية" أو لا تكون.
وقد تسللت الأنتربولوجيا الى حقول التأريخ من "الأسفل" فبدونها لا يمكن التطرق الى مظاهر الحياة اليومية من ملبس ومأكل ومظهر وسلوكيات وتاريخ العائلة وأنظمة القرابة، أو تاريخ الجسد والأوبئة الجرثومية، أوالحياة الدينية وطقوسها، أو ثقافات الأقليات المغمورة أو كل ما له علاقة بالتراث والفلكلور والذهنيات.
وبإمكان المؤرخ الأنتروبولوجي الاستفادة من جميع أنواع المصادر أكانت مكتوبة أم مروية أو مرئية، أم شائعة ومتواترة أم مغمورة وتالفة. ولا تستثني المقاربة الأنثروبولوجية التاريخية مهما كان تفتتها أي نوع من المصادر: قصيدة شعر غير فصيح، كناش أصفر مغبّر، أو ومضة اشهارية تلفزية حينية... ويمكن لمثل تلك المصادر أن تكون حطباً لنار الكتابة.
وإننا نستعمل في مبحثنا هذا المقاربة الأنتروبولوجية التاريخية لقراءة أحداث وظواهر ومظاهر، وللتأمل في فعل الفاعلين الاجتماعيين بمختلف أصنافهم. ويتمحور التكشف أساساً حول ظاهرة الاستنارة في البلاد العربية الحديثة بوصفها حركة اجتماعية تاريخية وبوصفها حركة فكرية وثقافية، فسنسعى الى رصد ما حف بها من تطورات وانقطاعات ومن بريق وضمور ومن نشوء وارتقاء ثم ركود وتقهقر. وتشمل المعاينة ايضاً نظرة مجهرية من "الأسفل" الى ملفات آتية راهنة جرت العادة على تصنيفها بعيداً من اهتمامات المؤرخين.
فهل ينتظر المؤرخ تقادم الحدث حتى يسخّر قلمه لتحليله وفهمه؟.
هذا ما راج طويلاً وما أوصت به المدرسة الوضعية حفاظاً على الموضوعية والمسافة الزمنية الضامنة للحياد بين الذات والموضوع.
إن المؤرخ ابن عصره ولا بد له من تسليط النظر والتحقيق في الحدث لأن الكتابة التاريخية ترتهن لزمانها ونسقها النسبي مهما حاولت تجاهل الحاضر وزعم التوغل في زمنية الماضي فحسب. وعلى المؤرخ ان يفكر وينقد ويكتب في الراهن وفي المستقبليات أيضاً وبروح الفكر النقدي النسبي.
وقد كان المؤرخ على مر العصور، منذ عهد هيرودوت مروراً بابن خلدون ووصولاً الى عصر مارك بلوخ، يتلقف الحدث الراهن ويقرأه في اطاره ونسقه التاريخي، بل ان أشهر رواد المدرسة الموضوعية، أمثال رينان ولافيس وسينيوبوس، كان جلهم تقريباً يؤرخون للراهن ويحللون المستجدات المحيطة بهم.

في الاستنارة العربية
عرفت الحضارات العريقة كافة حركات تنوير فاعلة أسهمت في النهوض بها وبلوغها مرحلة الاقلاع في عصر معين، وهو ما أحدثته حركة ا لصحوة في بلاد الاغريق والكونفوشيوسية في الصين القديمة والاسلام في جزيرة العرب واللوثرية في مجتمع الكنيسة الأوروبي الفيودالي. وقد تصارعت في معظم الحضارات حركات النهوض والتنوير مع حركات المحافظة والنكوص وتعاقبت مراحل المد والجزر جراء تفوق الواحدة على الأخرى.
ان التنوير هو حركة فكر وفلسفة وسياسة تقوم، مثلما قرر كانط، على "الانتقال من مرحلة القصور العقلي الى مرحلة النضج وسِنّ الرشد". وقد ظلت حركة التنوير مرتبطة بالعصور القريبة، فالاستنارة حركة تاريخية انبثقت في العهد الحديث، وتحديداً في القرن الثامن عشر في أوروبا، ثم امتدت اشعاعاتها في أواسط القرن التاسع عشر الى شرق المتوسط فأثرت في أنحاء من البلاد العربية والاسلامية.
ويرتكز فكر الاستنارة الحديث على قيم الحرية والتقدم والمساواة وهي أسس وأدوات الانتقال من مرحلة العتمة المتسمة بالخرافة والاستبداد والتأخر الى مرحلة النور الطامحة الى الاقلاع اعتماداً على سلاح العقل.
والاستنارة مصطلح مشتق من النور، ويروج استعماله في قاموس الروحانيات والتبشير الديني اليوم كما يُستعمل بكثرة لنعت الجماعات التقدمية والعلمانية واليسارية والاصلاحية.
ويستعمل بعضهم مصطلح الاستنارة للتلطيف وتجنّب المصادمات وبغية اتقاء النعوت التشويهية من نوع "الإلحاد والكفر والمروق..". وتستعمل زُمرة أخرى مصطلح "الاستنارة" مداراة لفشل الحركات التقدمية والاصلاحية في البلاد العربية، فالتقدم هدف سريع أما التنوير فغاية بعيدة المدى ومطمح مستقبلي.
من هنا كان المصطلح ملغزاً ووجب مزيد تعريفه وتوضيحه بالقول: ان الاستنارة حركة فكرية وفلسفية وسياسية تستند الى الحداثة والانبعاث والتعصير، وترتكز على العقل في النظرة الى الواقع وفي عملية تغييره وتؤمن بالمعرفة كأداة لإنارة الطريق.
ونستعمل في دراستنا هذه مصطلح الاستنارة أكثر من التنوير رغم تقاربهما وتشابههما ولا نرمي من ذلك الى رفع المعنويات أو تجميل واقع الحركة الاصلاحية العربية، وانما نقصد التمييز بين حركة التنوير الأوروبي التي نجحت في ترسيخ قيمها فكرياً وسياسياً واجتماعياً، وبين حركة النهضة العربية الحديثة التي ظلت حركة اصلاحية نخبوية محدودة الفعل نسبياً، فهي للاستنارة والاستلهام أكثر منها للتنوير الفعلي الناجع.
وقد اضطلع فكر الاستنارة بجملة من المسؤوليات الفكرية والسياسية والاجتماعية وكانت هذه المهام تتغير في كل مرحلة، لكن الثابت هو ايمان التنويريين بأن المجتمع العربي والاسلامي على ما فيه من علل هو "ذات" قابلة للتحويل وهذا التحويل يتم عبر العقل أساساً. وقد كان هم التنويريين في القرن التاسع عشر اللحاق بركب الحداثة والخروج من دائرة المؤسسات العتيقة. ومع بدايات عهود الاحتلال لبس التنوير ثوب الوطنية الاصلاحية الاجتماعية وما لبث أن أصبح وطنياً تحررياً واستقلالياً.
وتبنى المشروع التنويري العربي خلال هذه المراحل كلها جملة من المطالب والتزم بعدد من القيم أبرزها: فكر الحرية والمساواة، وتحرير العمال والاشتراكية، وتحرير المرأة ونشر التعليم والثقافة، وبث علمانية معتدلة.
وقد تعاقبت بعد نخوة الاستقلالات السياسية مظاهر الأمل واليأس والحماسة والفتور في صلب حركة الاستنارة العربية بمختلف تفريعاتها، خصوصاً بعد سيطرة النموذج التسلطي والكلياني في الحكم وتراجع المجتمع المدني لمصلحة المجتمع السياسي وانتكاسة هذا الأخير أمام تغوّل النمط الأمني الاستخباراتي.
وهكذا تراجع تأثير العلمانيين والتنويريين في البلاد العربية شيئاً فشيئاً وكان ينحصر في بعض الفضاءات النخبوية الضيقة. وفي المقابل سادت ثقافة "الاياب" الى الأصول والعودة الى "المنابع الصافية". وتشكل في البلاد العربية وما والاها مشهد جديد جمعت فيه ألفة غير عابرة بين السلطان والمفتي، وزادت حاجة الحاكم الدنيوي الى المستشار الديني فراجت ثقافة الاستفتاء والتكفير والسحل العقلي والفكري.
ونشير أخيراً الى ان ثمة دراسات كثيرة ومتنوعة تصدت لرصد تطور حركة الاستنارة العربية الحديثة، وفي اعتقادنا ان المقاربة التاريخية الأنثروبولوجية بإمكانها أن تُسهم مزيد الاسهام في التعريف والترويج لحركة الاستنارة العربية بوصفها كائناً تاريخياً حياً ومتحركاً.