"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "المستقبل": كتاب جديد لحازم صاغية عن أولئك الذين ما زالوا بلا إسم - دلال البزري

date: 
Sun, 05/30/2010

في كتابه الجديد "مذكرات رندا الترانس" يتوغّل حازم صاغية في عالم مسكوت عنه تماما: عالم انسان من الجنس الثالث، لا رجل ولا امرأة، بل امرأة في غلاف رجل. ولنقل انها امرأة لأنها كما سوف نرى، فبالرغم من غلافها، من جسمها الرجالي، الا انها في أعماقها، في جيناتها، في رغباتها المقموعة، امرأة. ولدت ذكرا فسمّاها والداها فؤاد. فيما اختارت هي ان تكون راندا. حياة راندا كما ترويها في هذه المذكرات، من الطفولة الى المراهقة الى الشباب، مشحونة بالذنب، الذنب الناجم عن الاختلاف، ورفض المحيط لطبائعها وغريزتها وسلوكها المناقضين كليا لما يتطلّبه شكلها الذكوري.
ولدت في مجتمع الجزائر والذي صار، بعد صعود الاصولية الدينية، أكثر تشدّدا في ذكوريته؛ "الجزائر جنة الرجال" تقول؛ وتتابع في مكان آخر: "ويل للأمة التي يكثر فيها الابطال...". في مجتمع كهذا اذن، حيث الذكور هم الجنس الممتاز، يصعب، بل يستحيل القبول بأن عضوا فيه يتوق الى ان يكون من الجنس الثاني، الأقل امتيازا. انها إهانة للذكورة، للنعمة، للقوة والامتيازات (هل كان الامر ليختلق لو كان الوضع معكوساً، أي لو كانت امرأة في الجسد ورجلا في الغريزة والرغبات..؟).
لذا فمذكرات راندا تضجّ بأصناف من العذابات غير المعهودة؛ عذابات جديدة، أو انها لم تجد طريقها الى اللغة. فحالة راندا بالأصل ليس لها تسميات محددة قبل هذا الكتاب: فراندا محبطة منذ بداية وعيها انها ولدت صبيا، لا بنتا. في محيط يبدأ ضيقا ثم يتسع مع المدرسة والجيش والعمل... جميعهم لا يعترفون لا بالاحباط ولا بهذا النوع تحديدا من الاحباط. هي لذلك فاقدة لهويتها، "ضعيفة" بالمعنى الوجودي للكلمة، لا الجسدي والنفسي فحسب.
منذ أوائل وعيها وتكوّن ذاكرتها هي معرّضة للإحتقار من أمها التي تكرّر لها بلا هوادة: "لو كنت أعرف كذا وكذا عنكَ لكسرتُ رقبَتك حين ولدت". يضربها التلامذة الصغار ويعايرونها على أنوثتها، في الجيش وفي المستشفى حيث تعمل في وقت لاحق، يغتصبونها، يعاملونها على انها رجل، ولكن مثْلي... دواخلها معتمة غامضة، كوابيسها لا تنتهي، ورغباتها الانثوية، رغبات بأن تقوم بالوظائف الانثوية كالأمومة أو الطبخ أو التزيّن... كلها مقموعة بحكم إشكالية جنسها، ورفض محيطها تناول هذه الاشكالية الا بالمعايرة والعنف الجسدي واللفظي. ثلاث محاولات للإنتحار وعمق العذاب حول هويتها. ألمها مزدوج:"ألم الوقوع في ما هو أسوأ من الموت بكثير وألم عدم الوقوع في الموت". جسد يفلت منها، لا تستطيع "التحكم في دواخله وأعماقه". فتقرر التحكم "في بعض مظهره الخارجي"، والذي تريده متميزا عن الرجال، ما يجلب لها مزيدا من العنف والعدوان. هامشيتها القصوى تضعها في زاوية من النظر مختلفة: فتكشف عما تحجبه زاوية النظر السائدة. تقول عن الصبيان التلامذة معها في الصف: ""لقد نُشّئوا على ان يكونوا طغاة صغاراً يتمرّنون عليّ في طغيانهم". وعن الأفكار الجهادية الجزائرية تقول: "كانت تهبط عليّ كما لو انها تكمّل أفعال الصبيان المعتدين في المدرسة أو الرجال المعتدين في الشارع". خذوا أوجه مجتمعاتكم الأخرى من أفواه الاكثر هامشية فيها... تكاد تقول راندا.
الضوء الوحيد في عتمة الهوية هذه يأتيها من الاعلام الغربي. برنامج تلفزيوني فرنسي يتناول موضوع الترانس: أي الذين ولدوا بغلاف جسدي مختلف عن مضمونه. نساء بأجساد رجال، أو رجال بأجساد نساء. تلتمع هويتها في هذه اللحظة وتتابع عذاباتها. ولكن بعد تجربة زواج فاشلة وبعد تعريض نفسها لمزيد من المعرفة عن جنسها، تحاول راندا تأسيس جمعية جزائرية للدفاع عن الترانس ووضع قوانين تحميهم من العنف وآليات قانونية لتحديد هويتهم الجنسية. طبعا يأتي التهديد من حيث هو منتظر، فتهرب راندا من بلدها وتستقر في بيروت. هي الآن ما زالت كما ولدت: امرأة بغلاف رجل. العملية التي تعيد شكلها الى مضمونها تحتاج الى مبلغ من المال لا نعرف إن استطاعت الآن تجميعه.
يكشف هذا الكتاب عن جانب من القمع المنتشر في العالم العربي: القمع ضد الذين خلقهم الله بهذه الازدواجية المعذبة والمحيرة، والحكم عليهم بانعدام هويتهم الجنسية، أي الهوية الأولى المشكّلة لنفس الانسان. وهذه ليست قمع "الدولة" أو "الحكومة" فحسب، بل قمع مجتمع بأسره المعزّز بغياب قوانين تحمي ابناء "الجنس الثالث" وتنظم أوضاعهم المدنية، من الأسرة الى المدرسة الى أمكنة العمل، ناهيك عن الشارع والمجالات العامة الاخرى. الجميع مشترك في الإمساك عن تسمية هذه الحالة الذاهبة الى أقاصي الهامشية، الهامشية الجنسية. اين منها هامشية المثليين، التي تبدو كلاسيكية امام تلك التي ينطبع بها "الجنس الثالث".
وحدها المجتمعات الحداثية، أو ما بعد الحداثية بالأحرى، تهتم علميا وانسانيا بهذه الفئة، وتشجّعها على صياغة مشكلاتها واعطائها التسميات اللازمة. في البرلمان الايطالي هناك نائبة ترانس مثلا. وفي فرنسا صدر قانون بسحب الترانس من لائحة الامراض العقلية. ولكن مجتمعات أخرى تشترك ايضا مع الغربية في هذه المسألة. انها المجتمعات ذات التقاليد المطريركية القوية: الفيليبين مثلا حيث تعمل 80000 ترانس في عالم المسرح والغناء والرقص وصالونات الحلاقة ونوادي التجميل. وقد تأسست فيها جمعية STRAPالداعية الى الكف عن توقيف الترانس اعتباطيا وتحرشات الشرطة بهم، والى اصدر عقوبات ضد الاغتصاب وقوانين تسمح للترانس بتغيير وضعه واسمه قانونيا. وقد ترشحت رئيسة الجمعية للانتخابات البرلمانية المقبلة.
كتاب حازم صاغية يحثّ على إعادة التفكير بالمقولة النسوية السائدة، من اننا "لا نخلق نساء"، بل "نصبح نساء". مقولة سيمون دي بوفوار الشهيرة. فقصة راندا، وجموح غريزتها المتّجهة عفويا نحو كل ما يخصّ الوظائف الانثوية، من أمومة وتزيّن وطبخ ونعومة وسلبية الخ.... قصة تبين بوضوح ان هذه الوظائف ليست غريزية فحسب، موجودة بالكمون، بل هي مندفعة، متهورة، حارة، تبعث لصاحبتها على العذاب من انعدام اللذة، لذة ان تكون امرأة، ان يكون غلافها غلاف امرأة، لا جيناتها فحسب. ولكن، راندا الترانس استثناء: فهي لم تكتسب اندفاعها نحو هذه الوظائف بالتربية والتنشئة ، ولا تعلّمت ان من مميزاتها الطبخ والأمومة والنظافة... بل كل الدوافع الانثوية من سريرتها، أتت من أعماقها. وكانت بعكس التربية التي تلقتها، العكس تماما. والتخفيف من النيل من المقولة النسوية يأتي من الملاحظة بأن راندا الترانس ابنة الجنس الثالث ،هي وأمثالها، استثناء في الانوثة. وقد يكون لقمع انوثتها الغريزية ما استفز هذه الأنوثة، فكانت المغالاتها في التشوّق اليها؛ أنوثة مقموعة، لا بد ان تتسرّب من ثغرة ما، فتأتي متطرفة. وهذا ما يبيّنه أيضا كون الترانس هن شكلا، من أجمل النساء، الأكثر اهتماما بتفاصيل هندامهن وزخرفاته، والأكثر طاقة على الاغراء.
ما الذي يدفع بحازم صاغية، وهو معلّق سياسي، متابع للسياسة ووقائعها، وموضوعاتها وشخصياتها، وكلها المركزية في حياتنا العامة... ما الذي يدفعه الى الاهتمام بنقيضها، بالأكثر هامشية من بين الاشخاص، الأقل مركزية؟ قد يكون الجواب في ذلك الخيط الدقيق غير المرئي الذي يربط بين طرق العمل السياسي وطرق التنشئة الاجتماعية. الاثنان يحتكمان الى العنف والاقصاء والتحريم والتهميش لما هو مختلف، الى صهر الجميع في حديد الوحدة العضوية الحامي. وحالة راندا الترانس هي من أقاصي الهامشية. لا نعرف هامشية أبعد منها. وقراءة مذكراتها تفتح لهذه الهامشية صفحات لاحقة، لا بد منها.