"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة المستقبل : عقل العويط والبحث عن وثيقة ولادة - أمين الباشا

date: 
Tue, 06/21/2011

سألته: هل ولدت؟ أجاب: لا.. قلت متى ستولد؟ هزّ برأسه. خَفَت صوته. لم أسمع منه شيئاً ثم اختفى.. عدت من حيث أتيت.. عدت إليه.. من أي مكان جئت وإلى أي مكان أتيت.. لا أعلم، لكني أتيت عائداً إليه أسأله: هو ولدت بعد هذه المدة الطويلة؟ قال ليست طويلة المدة التي غبتها أنت، أنا لم أولد بعد. سألته كيف ذلك؟ قال: لم أستلم وثيقة ولادة. قلت له ثق بي.. قال لا أثق لا بك ولا بوثيقة ولادة.. هي ليست سوى ورقة خريفية لا تنبت سوى بقطرات من ماء.. المطر ولّد طوفاناً ولا قطرة ماء في الطوفان.. قلت كيف؟ أجاب جئت تسألين إذا كنت قد ولدت.. أقول لك أني ولدت شاعراً، والشعراء يولدون من رحم الطبيعة، والطبيعة ميّالة للتبدّل.. للتغيير.. أنا أتبدّل في صيفها وشتائها وخريفها وربيعها.. لهذا فتنقّلي بين الفصول يجعل مني غير مؤهل للتوثيق على ورقة.. أنا يا صاحبي أحرف وأبيات شعرية.. تأتي وحدها وتذوب مع الأيام، وأنا أنتظر على أبواب الزمان لأولد وأكتب وثيقة مولدي بيدي.

سمعت هذا ورأيتني أعود من حيث أتيت، ومن حيث أتيت هو مكان بعيد.. بعيد.. دامت عودتي تسعاً وتسعين سنة.. قلت سأعود إليه بعد مرور هذه السنوات.. لكنها لم تمرّ.. لم أرها تمر.. مرّت أيامي وليالي، قلت لنفسي: فلأبحث مع عقل العويط عن وثيقة ولادة.. لعلها تجعل منّا أحرفاً وجملاً وأبياتاً ينبتُ فيها الحب، نشرب خمره ونتنفّس من لهاثه.. قلت لنفسي إن كان قد ولد، بينما أنا لا أجد من يسألني عن يوم ميلادي ولا ليل مولدي.. هذا ما يجعلني لا أكترث للوثيقة. لا أثق بمولدي. الشك رفيقي في ليلي ونهاري.
بعد سنوات عدت إليه لأخبره أن وثيقة الولادة لا تولّد سوى الشقاء.. لكني لم أجده.. كانت الأجواء عابقة بأحرف ملوّنة ترسمها سحب بيض في صفحة سماء زرقاء تنبعث منها أصوات ملائكية، قلت: ربما.. ربما..