"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "المستقبل": رشا الأطرش و"عبق" الرواية" - رولا عبد الله

date: 
Tue, 06/22/2010

هذه روايتها الأولى "صابون"، رشا الأطرش ابنة رأس بيروت التي درست "التغذية"، وامتهنت الصحافة على مدى أكثر من عقد متابعة دراساتها العليا في "الدراسات الثقافية" من جامعة لندن قبل أن تحط الرحال أخيراً في الأرض التي لطالما أغوتها: أن تكون روائية بشهادة بيروت عاصمة عالمية للكتاب وبرعاية كل من دار الساقي ومحترف "كيف تكتب رواية" الذي أشرفت عليه الروائية نجوى بركات.
"بعدها طوشة". الهاتف يرن كثيراً. الـ "مبروك" تطاردها أينما تنقلت. والفرحة تفضحها عيناها بينما تعانقان عبارة توّجت بها روايتها الأولى: "رشا الأطرش الفائزة في محترف كيف تكتب الرواية". تراه موسم القطاف في بستانها الذي يعبق بروائح متداخلة من ياسمين ولافندر وكيوى وجوز الهند والكرز الطازج وزبدة الكاكاو. ويهل الموسم بعد مخاض عشرة أشهر أمضتها متنقلة بين "السفير" حيث تعمل في القسم السياسي، ومقاهي الحمرا، ومنزلها. محطات ثلاث ألهمت رشا في كتابة نص بصري يعج بنفس تلك البقعة الجغرافية من المدينة، الا أنّ النص علق في "التأجيل" الى أن بدأت تتشكل ملامحه منذ حوالى السنتين. وتبلور بالاعلان عن المحترف، نضج أكثر كلما وضعت الروائية بركات ملاحظاتها: "أريد قصة تقنعني وتشدني وتسليني. حاولي ملاحقة الشخصية ومراقبتها. اسردي الاشياء ثانية بثانية كما لو أنك تصورين فيلما سينمائياً". وكانت التجربة التي أنجبت البطلة "غادة" في الرواية. تعاينها رشا: "غادة فيها شيء مني، لكنها ليست رشا بدليل أنها صبية تحولت الى "بعبع" النصف حالة. وفي الرواية تبدو تائهة وقد أقسمت بألا تستكين لانصاف الحالات، وألا تكون من أصحاب أنصاف المصائر وأنصاف الآمال، أنصاف الأيام الضائع أوّلها في الماضي، والغائم آخرها المشتهى في مستقبل لا يلوح. وعلى الرغم من ذلك فانها لم تفلح من الوصول الى بر الامان". تلك ال"غادة"غير مثقفة، تعمل في متجر لبيع الصابون، وقد انزلقت حياتها الى عالم داخلي تفوح منه أبخرة "سائل الاستحمام" ومستحضرات التجميل ورجال أرادوها جسر عبور الى حياة تنشد الحياة. أما رشا الجريئة في احداث انقلابات جوهرية في معتقداتها وفكرها، فانها ثابتة في ما تريده. تكره الجمود والأخذ بالمسلمات والخوف من التغيير. يسكنها في عملها الصحفي الحس الانساني الذي تنفذ منه الى القارئ مثيرة اهتمامه، وهو الاسلوب نفسه الذي نفحت به روح الأحداث في الرواية مع تقنية عالية في التصوير والوصف وسرد التفاصيل. تحكي رشا عن المكان في الرواية: "ولدت في رأس بيروت، تابعت علومي الأولى والجامعية في الدائرة نفسها. "تنشقت" زحمة شارع الحمرا حيث حظيت بوظيفة وما زلت شغوفة للمقاهي والأسواق وكل ما يجري هناك. ربما لذلك وجدتني أرد التحية من خلال الرواية للمكان الذي يمثّل بلدي بتنوعه وغناه الثقافي والانساني والحركة التي لا تخبت فيه أبداً". أما الرائحة فانها دليلها الى الفكرة والذاكرة والمكان معاً، تعنيها كثيراً الى حدود أنها ترسم لها معالم المشهد : "حين تباغتني الرائحة أستعيد محطة في الذاكرة، أحس بها تماما مثل البصر والرؤية". ولأجل هذا الشغف بالرائحة، كان لا بد من تحية لرواية "العطر" لمؤلفها "باتريك زوسكند".
فكرة محترف الكتابة فرصة ذهبية لجيل يبحث عن سند ويد. تصفه رشا بـ"المشغل الانساني والذاتي والنفسي". أمدها بالصبر وأهمية الشغل على الفكرة اذ "لا يكفي أن يكون النص جميلاً على حساب المضمون والحبكة". وكانت الصدفة أن جمعت المنافسة في المرحلة النهائية بين أصدقاء في المهنة والحياة هما بالاضافة الى رشا، كل من رنا نجار وهلال شومان. تبارى الثلاثة من دون الاحساس بالضغط الذي تولده المنافسة، توضح رشا: "باعتبار أننا أصدقاء، تجاوزنا عقدة المنافسة. كنا نجلس ونتشاور، وحين أعلن اسم الفائز ذهلت من ردة فعل من حولي. كنت محاطة بمشاعر حب صادقة وكأن رنا أو هلال هما من فازا علماً بأن روايتيهما بصدد الصدور عن دار الساقي التي نكن لها كل الاحترام".
و"ماذا بعد؟". ما زال السؤال مبكراً لأنه أوان الاحتفاء بالرواية المولودة حديثاً. لكنّ الأكيد أن رشا وضعت قدميها بخطى ثابتة في السلّم الروائي الذي ما عادت تخشى الانزلاق منه. فالـ"صابون" عنوان رواية، ويبقى فعله سارياً في الحدث الروائي فحسب، أما العطر فلا يمكن كبته. ينتشر في الأرجاء مبشراً بأن: "ولدت روائية شابة في زمن لا يعير الرواية حقها".