"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة المستقبل - العدد 4039: كيف يرى حليم بركات غربة الكاتب العربي؟! - ياسين رفاعية

date: 
Mon, 06/27/2011

من أهم الكتب التي تعالج مشكلة غربة الكاتب العربي الكتاب الذي صدر للكاتب السوري والاستاذ في جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الدكتور حليم بركات، وكان بعنوان "غربة الكاتب العربي" وليس مثل هذا الكاتب أن يعالج هذا الموضوع الخطير، فهو في الأساس استاذ في علم الاجتماع. إذ يعتبره النقّاد انه عاش غربات عديدة داخل الوطن وخارجه، وهذه التجربة عاشها انساناً ومثقفاً وجمعته صداقة حميمة بمثقفين وكتّاب من المنفى، فيتناول تأثيرات الغربة في شعر السوري أدونيس وفي فكر هشام شرابي وادوارد سعيد، وفي روايات جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح، وفي مسرح سعد الله ونوس وفي لوحات مروان قصاب باشي وغيرهم. والمعرف عن حليم بركات أنه حائز على دكتوراه في علم النفس الاجتماعي من جامعة ميتشيغن في الولايات المتحدة. وترجمت مؤلفاته الى الفرنسية والانكليزية والألمانية واليابانية. آخر رواياته "المدينة الملونة" عن مدينة بيروت. وأول رواية أصدرها عام 1960 كانت بعنوان "ستة ايام" وسبق ان اعتبرها النقّاد أنها نبوءة مذهلة لحرب الأيام الستة (حزيران) 1967. إذ تكاد تتطابق أحداثها مع ما حصل لنا من هزيمة في تلك الحرب. وهو إذ يعالج موضوعه المتجدد والجديد. فيقدم تعريفاً للثقافة العربية على أنها بوجه الاجماع رؤى للحياة والكون وتصوراتها. وأسباب العمل المفضلة والقيم والابداعات أو الفنون الأدبية (شعر. رواية. قصة قصيرة. أعمال مسرحية) والفنون التشكيلية (الرسم والنحت) والموسيقى والغناء والرقص وغيرها. وهناك أيضاً ما هو ظاهر للعيان وما هو خفي، وما هو اتباع وما هو ابداع، وما هو عقلاني وما هو عاطفي ..الخ.

ويتبين كل ذلك من موضوعات هذا الكتاب المتنوعة بين الشعر كما يتمثل بأدونيس والفكر كما يتمثل بهشام شرابي وادوارد سعيد. والرواية كما تتمثل بجبرا ابرهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح وجبران خليل جبران الذي يجمع بين فنون مختلفة، وسعد الله ونوس المسرحي ومروان قصاب باشي الرسام.
كذلك عنى هذا الكتاب بتأثيرات العيش في المنفى كما في الوطن والانتماء الطبقي. وهيمنة الدولة، وتوجهات الزمن بين المستقبلي والآني والسلفي. وقد استفاد حليم بركات من تخصصه في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والنقد الأدبي.
بدءاً يتحدث بركات عن أدونيس (علي أحمد سعيد) قائلاً: "المأساة هي في أن نصفي رغم هذا رفض يولسيس أن يضع الشمع على أذنيه، ومثله حاولت ان اصغي الى غناء الساحرات في عالم كتاب "أغاني مهيار الدمشقي" ألحان للانتصار والانكسار، للرفض والقبول. للاحتراق والتجدد. للأقنعة والعري. للرمل والبحر. للجذور والقشور. للسفر والعودة. الحان مغردة. أوركسترية واضحة. غامضة. منسجمة. متنافرة. غريبة. مألوفة.
الخلاف
لنخترق عالم أدونيس إذاً، ولنعش لفترة في أجواء الساحرات، أدونيس غير راضٍ عن العالم من حوله. وفي خلاف مع الخارج، يعيش مصير الآخرين، لكنه غريب وضائع ومفصول، انه في حيرة لاتجاه الضوء في العالم فحسب، بل تجاه وضعه بالذات رغم ذلك. أو ربما من أجل ذلك، يرفض وهو يتغنى بالرفض في معظم قصائده حتى ليصبح الرفض فردوسه المطلق في عالم نسبي. ربما من أجل ذلك برفعه راية ويقدم له البخور والذبائح والقرابين ليعينه على نحر الثور البري الذي يتمثل فيه الماضي. من الأقنعة والقشور والمحل والاستسلام والتبعية والتقولب. أدونيس يقول الريح لا ترجع القهقرى والماء لا يعود الى منبعه. إذاً، لنفترض ان الماء لا يعود الى منبعه. لا حاجة لأن يعود. فالنبع مستمر فيه، ورفض النبع هو رفض للماء نفسه. يقول اميل دوركهيم العالم الاجتماعي: اننا نتكلم لغة لم نصنعها ونستعمل أدوات لم نخترعها. ما نقول أو نأكل أو نلبس، أو ما نحب ونكره عموماً، هو استمرار للتراث حتى وان تناقض معه في مناح عدة. تحدي التراث هو استمرار للتراث لأنه منفعل به وفي القسم الثاني من الحديث عن أدونيس يتناول حليم بركات: أدونيس ونقيضه متمثلاً بقصيدة قديمة مقفاة لأدونيس:
قم مع الشمس يا شبابي.. وحرك
عالماً غافي البصيرة جامد
أنت علمته الحياة قديماً
وستبقى له دليلاً ورائد
هكذا رأى الى دوره كشاعر ومواطن. فبرزت في شعره في هذه المرحلة الأولى موضوعات كفاحية مفعمة باليقين، كما يظهر من قوله:
لغة الحق أن نموت مع الحق
انتصاراً، أو نموت انكسارا
روعة السيف ان يظل مع الحق
فلا ينثني ولا يتوارى
لنعلم أنّا نموت لنحيا
في دياجي بلادنا مصباحا
بالانتقال الى عالم جبرا ابراهيم جبرا، متحدثاً المؤلف عن أول رواية صدرت لجبرا بعنوان "صيادون في شارع ضيق" حيث كان جبرا يرى فيها انبهار الطبقة الارستقراطية في المجتمع العراقي لتحل محلها بعد انقلاب 1958 نخبة الطبقة الوسطى، ولكن، وخلال عقد من الزمن يرصد جبرا في روايته التالية "السفينة" فشل النخبة الجديدة التي تفرض على الشعب الخيار بين المقصلة والطاعة والامتثال القسري باسم الوطن والشعب ويتعمق احساس جبرا بالتمازج بين الواقع والوهم في أعماله الروائية الأخرى، ولا سيما في رواية "البحث عن وليد مسعود" و"رواية سراب عفان" وليد مسعود هو اللغز الغامض فيجري البحث عنه وحوله وفيه دون التوصل الى معرفة حقيقته، وقد لا يكون من حقيقة ما له.
وسراب عفان هو لغز آخر، مخيف تنتهي من قراءة الرواية تظل في حيرة مما إذا كانت مجرد سراب أم لا.
النسيج
أما تداعيات عبد الرحمن منيف، فبعد قراءة حليم بركات التحليلية لمختلف أعمال عبد الرحمن منيف. ومعرفته الشخصية به عبر سنوات طويلة بدأت عام 1973 في باريس حين كان في المنفى، حرص على ألا يفصل بين الإنسان والروائي، فهو حقاً نسيج بديع ونادر من الموهوبين معاً، إذ يتكامل فيه الفنان والإنسان، فيغني أحدهم الآخر، وهذا في حد ذاته سره الخاص والغامض، غموض التجارب والابداعية عموماً وفي كل من الفنون قاطبة. لذلك كان حليم يتشوق للقائه حيثما يكون، وقد شمل أحد هذه اللقاءات زيارة الكفرون (مسقط رأس حليم في سوريا) أما في الزيارة الأخيرة فلم يتمكن حليم من انتظار اليوم التالي لدى وصوله الى دمشق تلهفاً لزيارته. فلم يفاجأ حين وجده متعباً بسبب أوضاعه الصحية. ولاحظ أيضاً أنه مضطرب إذ كان هناك ما يضايقه، وهو عدم تمكنه من أن ينشط في القراءة والكتابة بقدر ما يريد. ويشير بركات الى أهم عمل كتبه منيف وهو "مدن الملح" التي تقع في خمسة أجزاء (التية ـ الاخدود ـ تقاسم الليل والنهار ـ المنبت ـ بادية الظلمات) فقد نالت هذه الرواية حظها الواسع من التحليل (...) وتكمن أهمية الرواية كمضمون وشكل في محاولة قراءة المجتمع من كل جوانبه، هذا الشرح الوثائقي الذي خفف من غلوائه تحرك اللغة وعفويتها وتدفقها وحيوية الشخصيات. والتماذج بين الواقع والمتخيل. وفي رواية منيف "شرق المتوسط" يتساءل: هل يتصور أن على الشاطئ شرقي المتوسط إنساناً واحداً يمكن أن يموت من الفرح؟ الفرح بالنسبة الى الشعب السجين طائر مهاجر. والبطل هنا يعيش مشكلة هزيمة داخلية يراها في اللغة السرية المتداولة في البلدان العربية نتيجة السجن الطويل حيث يقدم مزيجاً من التناقضات الاجتماعية.
بعد التعرف على هذه المجموعة من كتّاب المنفى نصل الى اليقين حسبما أراد أن يقول حليم بركات تحت عنوان "العقلانية والمخيلة في الثقافة العربية" فـ: "هناك إشكالية لا بد من مواجهتها بروح نقدية ووجهاً لوجه، ما هي طبيعة هذه العلاقة؟ هل هي علاقة تناقض أم تكامل ومتى تكون كذلك؟ هل للأوضاع العامة والظروف الخاصة والبنى السائدة أي دور في تحديد طبيعة هذه العلاقات وكيف ولماذا؟ ما علاقة المتخيل بالواقع؟ هل المتخيل وهم أم تعبير وانبثاق عن حقائق في صلب الواقع الذي نعيشه؟ ما علاقة الحلم والأسطورة والشعر والرمز والصورة والخرافة بالحياة اليومية؟ هل عالم المخيلة حقيقي وبأي معنى؟ ما علاقة المخيلة بالماضي والحاضر والمستقبل؟ هل الواقع هو ما نلمسه ونحسه ويمكن قياسه كمياً فحسب؟ هل هناك جوانب نوعية من صلب الواقع لا يمكن التوصل الى قياسها بالمقاييس التي اعتمدها العلم حتى الآن؟ هل يمكن فهم الواقع دون نظرية نتوصل اليها عن طريق التأمل والتخيل؟ وهل هناك علم دون مخيلة؟ وما هي التأثيرات المتبادلة بين العقلانية والمتخيلة؟ أليس كل علم فناً وكل فن علماً؟
ويخلص وراء هذه الأسئلة: ان معضلة المعرفة الإنسانية التي لا تحل. بل من هنا أيضاً الاغتراب المعرفي، إذ نبحث بمعزل عن الآخر وندقق ـ للأسف ـ في الجزء خارج الصورة العامة.
لم تتمكن الثقافة العربية المعاصرة من تجنب هذا الانفصام بل يجد الكاتب انه نشأ وتعمق بالإضافة الى الانقسامات السابقة، تاريخياً فجزأت كل من العقلانية والمخيلة ضمن العربية وسلكت فروعها طرقاً واتجاهات نادراً ما تلتقي، كما قد يتبين لنا، فيما بعد، من خلال الاستعانة بالثقافة النخبوية. من هذا المنطلق يمكن ان نتحدث عن أنواع عدة من العقلانية والتخيلية قبل ان نبحث في طبيعة العلاقات في ما بينها.