"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة المستقبل - العدد 4004: الجمع بين لغة الكلام ولغة الحقائق - حسن عجمي

date: 
Sun, 05/22/2011

يأخذنا كتاب "فيزيك" لحسن داوود في رحلة إلى ذواتنا المفككة لنكتشف أن المناهج التقليدية غير نافعة في تفسير لاعقلانية فكرنا وفعلنا. فالواقع الاجتماعي المضطرب عقلي متناقض كما ترينا قصص "فيزيك". ولا يوجد ما يفسّر تمسكنا باضطراباتنا وأمراضنا ولا عقلانياتنا سوى أنها مؤسِسة لأيديولوجيات مستقبلنا. لذا نحتاج إلى مفاهيم ومناهج جديدة لفهم تقلب اللاعقلانية وتحوّلها إلى أيديولوجيات مستقبلية تلبس لباس العقلانية. هكذا توصلنا قصص داوود إلى جدل العلاقة بين السوبر تأويلية والسوبر تفكيكية وانصهارهما.
جدل الفصحى والعامية
يزاوج الروائي حسن داوود في كتابه "فيزيك" بين العامية والفصحى. ثمة منطق معين يحكم هذا الزواج؛ فبينما العامية مُستخدَمة من أجل تعبير الفرد عن نفسه وأفكاره ومشاعره، الفصحى تتخذ دور التعبير عن الحقائق وتحديدها. شخصيات قصص حسن داوود تتكلم بالعامية تماماً كما تفعل في الحياة اليومية، لكن الفصحى تتدخل كي تضبط السياق وتصف الظواهر الطبيعية والاجتماعية المكوِّنة للشخصيات. يقول داوود في إحدى قصصه: "مش أصدوا، قال واحد متمسخراً أيضاً. / إنتي كمان سدّ نيعك. أجابه المختار". هكذا العامية لغة الناس في قصص داوود بينما الفصحى لغة تحديد السياق والحقائق، أي لغة الإيضاح في حال غياب المعنى أو غموضه بالنسبة إلينا نحن سجناء اللغة الفصحى. تتضح هذه المنهجية في أمثلة عدة في الكتاب منها: " سميح الشيخ محمود اشترى آلة التصوير سنة 1944 . الذين هم كبار الضيعة الآن كانوا صبياناً آنذاك، أو أكبر من الصبيان بقليل. "شوف هادا علي جويد"... ثم يأخذ إصبعه إلى الصبي الآخر الذي يقف ملتصقاً بعلي جواد: " وهادا الحج نعيم" ". هنا الفصحى تسرد الأحداث وتبيّنها بينما العامية تحيا في فم شخصيات القصص وتحييهم. على هذا الأساس، للفصحى دور مختلف عن دور العامية؛ فالفصحى لوصف الحقائق والأحداث وصفاً موضوعياً بينما دور العامية كامن في تعبير الفرد عن ذاته وكيفية اختباره لمحيطه وعالمه. هذه إحدى الرسائل الأساسية لنص حسن داوود. وهذه الرسالة قد تؤسس لنصوص في المستقبل حيث تُستخدَم العامية للتعبير عن الأنا و تجاربها وتُستخدَم الفصحى لإيضاح الأحداث والحقائق. هذه النصوص المستقبلية الممكنة تعتمد الفصحى والعامية معاً وبذلك تحلّ الخلاف الواقع بينهما. لقد انقسمت الشخصية العربية إلى هويتين لغويتين هما هوية اللغة الفصحى وهوية اللغة العامية. و بات العقل العربي يتكلم بالعامية لكن يفكر بالفصحى ما جعل الخطاب اليومي العربي المعاصر خالٍ من مشروع فكري هادف. من هنا، لا بد من حلّ هذه الأزمة اللغوية والفكرية ، ومن الحلول الممكنة حلّ حسن داوود ألا وهو أن نزاوج بين الفصحى والعامية في الخطاب نفسه (حسن داوود: فيزيك. 2010. دار الساقي ).
قيمة النص قائمة في استدعائه لنصوص جديدة ومناهج مبتكرة. من هذا المنطلق، نريد تجنب تفسير كتاب داوود من خلال أجزائه وترابطها فقط، كما نريد تجنب تأويل الكتاب على ضوء نصوص جرت صياغتها في الحاضر والماضي. والهدف من ذلك قراءة النص على أساس ما قد يبني من نصوص في المستقبل، وهذا موقف السوبر تأويلية. بالنسبة إلى السوبر تأويلية، القراءة الأفضل هي قراءة النص من منظور ما قد ينتج من معانٍ ومناهج وأساليب فكرية ولغوية في المستقبل. من هنا، كتاب " فيزيك " يشكّل رسالة قوية لصياغة نصوص مستقبلية تزاوج بين الفصحى والعامية على النحو الذي زاوج بينهما داوود في قصصه. نصوص المستقبل نوافذ لفهم نصوص الحاضر والماضي لأن المعاني تتخذ مضامينها من خلال متلقيها الذي ينمو في المستقبل. نموذج القراءة هذا يبعدنا عن التفسير والتأويل التقليديين لكي نتبنى السوبر تأويلية وما تتضمن من سوبر تفكيكية. فبينما التفكيك يرغب في تبيان لاعقلانيات النص القائمة في تناقضاته، تسعى السوبر تفكيكية إلى أن تدرس تحوّل لاعقلانيات النص إلى عقلانيات في المستقبل. على هذا الأساس، التزاوج بين العامية و الفصحى الذي قد يبدو لاعقلانياً اليوم سيصبح على الأرجح عقلانية المستقبل. فالانفصام الذي أصاب عقل اللغة العربية لا بد من مداواته من خلال صهر العامية والفصحى في لغة مستقبلية واحدة تظهر معالمها في كتاب "فيزيك".
جدل العقل والواقع
يصوّر حسن داوود العلاقة الجدلية بين العقل والواقع. يقول: " الذاكرة تعمل فوتوغرافياً. إنها تلتقط صوراً ثابتة. أما إن فكرّنا أن ذاكرتنا تأتينا بالأشياء متحركة... فهذا ليس إلا من قبيل التوهم". هكذا العقل يحيا في نبض تناقضاته؛ فهو من جهة يلتقط صوراً ثابتة للواقع بفضل الذاكرة، لكنه من جهة أخرى يضفي على تلك الصور حركة بفضل التوهم الذي هو أيضاً قدرة عقلية. لكن من خلال تناقض العقل وآلياته نتمكن من إدراك العالم؛ فنحن ندرك العالم في حركته. من هنا، لاعقلانية العقل في حاضرنا وماضينا تغدو عقلانية في المستقبل لأن من جراء الصور العقلية الثابتة الفاشلة في تمثيل الواقع، ومن جراء تدخل التوهم كقدرة عقلية، يُتاح لنا إدراك العالم كما هو. الوهم نفسه يصبح آلية ناجحة في إيصالنا إلى معرفة الواقع. هكذا لا عقلانية الماضي تمسي عقلانية المستقبل تماماً كما تؤكد السوبر تفكيكية. على هذا الأساس، يصوغ حسن داوود في قصصه الواقع الاجتماعي اعتماداً على ذاكرة وتوهم يشكلان العقل القادر على تحقيق المعرفة. وليس من الغريب أن يتحوّل الوهم إلى لا وهم ؛ فمثلاً توهم الشعراء والفلاسفة بوجود أكوان ممكنة لكن وهمهم أمسى حقيقة حين أكد العديد من النظريات العلمية على وجود أكوان ممكنة عدة. وبما أن العقل متناقض، ولكونه نتيجة الواقع، إذن من المتوقع أن يكون الواقع أيضاً متناقضاً. وهذا ما يعبّر عنه داوود حين يرسم لنا السرعة الهائلة للتغير الاجتماعي التي أدت إلى أن الشيء يتبع سابقه حتى ليكاد يصل قبله. لا معقولية أن يحدث الشيء قبل الأشياء التي من المفترض أن تحدث قبله أمست معقولية ممكنة. وهذا غير مستغرب حيث، بالنسبة إلى داوود، تحدث الحركة في أصغر لحظة ممكنة وبذلك متى تبدأ الحركة تتوقف. تختلط الأزمنة فيغدو الماضي حياً في المستقبل ويمسي المستقبل متحركاً في الماضي. لا عقلانية أن يولد الشيء قبل ولادة الظواهر التي من المفترض طبيعياً ومنطقياً أن تأتي قبله تصبح عقلانية إذا قرأنا تلك اللاعقلانية على أنها تعني أن المستقبل مكرر في الماضي والعكس صحيح، خاصة ً في المجتمعات الماضوية كمجتمعاتنا. هكذا توضح السوبر تفكيكية تحولات اللاعقلانيات إلى عقلانيات. هنا يتوقف الزمن من جراء انصهار الأزمنة المختلفة في زمن واحد فرد. لذا المهابيل في كتاب داوود لا يكبرون مع العمر. وهذه اللاعقلانية الإضافية تمسي عقلانية مستقبلية لأن المهابيل وحدهم يكتسبون إنسانيتهم وبذلك لا حاجة لهم لكي يكبروا أكثر من ذلك (المرجع السابق).
مهابيل القرية الثلاثة يتمايزون عن بعضهم البعض؛ إبراهيم هو الأهبل القوي، وحسين هو الأهبل الخواجا، أما محمد وطفا فهو أهبل فقط. وباختلاف المهابيل عن بعضهم البعض يكتسبون إنسانيتهم لأن الفرد المطابق للآخرين يخسر هويته في هوية اجتماعية تبتلع كينونته وتفرده. أما الباقون المختلفون عن المهابيل فيتشابهون ويتطابقون ما، يفقدهم إنسانيتهم، ولذا هم يمارسون الإرهاب العقلي ضد بعضهم البعض حتى أنهم يسخرون من الجثث والموتى. من هنا، من الطبيعي أن تسيطر عليهم ثقافة الجهل كالاعتقاد بأن صغر الرأس يدل على قلة العقل. إنها ثقافة الخديعة؛ فالشخص منهم يخدع ذاته تماماً كما يخدع الآخرين. لكنها خديعة ماكرة تجعل من الخيانة قيمة ومن الجهل قيمة. و لذا من الطبيعي أيضاً أن نتنافس على من منا أكثر جهلاً ومن منا أصابته هزيمة أكبر كما يفعل أبطال الهزائم في قصص داوود. لم يعد يوجد فرق حقيقي بين القيمة واللا قيمة، وبين القديم والجديد ، وبين الريف والعاصمة. فالقرى انتقلت إلى المدينة لتملأ فراغات دمارها بفراغات أكبر. هجرة الذات إلى الآخر هجرتها إلى ذاتها. هذا الانصهار العظيم بين القيمة واللا قيمة، بين القديم والجديد، وبين الريف والمدينة هو نتيجة طبيعية لحقيقة أن العقل يشكّل الواقع من خلال أخذ صور فوتوغرافية ثابتة له تكرر صناعة المشهد نفسه مرات لامتناهية بتفاصيل متغيراتها طفيفة وثانوية ما يحتم لاعقلانية التزاوج بين القيم واللاقيم وبين الأزمنة والأمكنة المختلفة. اللاعقلانيات التي يرصدها كتاب " فيزيك " لحسن داوود تسجن مجتمعاتنا في مستقبل طغاة جدد سيصوغون (على الأرجح ) من لاعقلانياتنا أيديولوجيات تحكمنا. هكذا تدعونا قصص داوود إلى مشاهدة المستقبل الكامن في حاضرنا وماضينا ( المرجع السابق ).
لا عقلانيات اليوم ستغدو عقلانيات المستقبل أي أيديولوجياتنا المستقبلية تماماً كما تقول السوبر تفكيكية لأننا لا نعادي جهلنا وخياناتنا بل نعرّف أنفسنا من خلالها. التفسير الوحيد لكون شخصيات قصص حسن داوود مقتنعة بلاعقلانياتها ومتمسكة بها هو أن لاعقلانياتها التي هي لاعقلانياتنا ستصبح أيديولوجيات لها ولنا . هكذا نتمكن من دراسة النص من خلال نصوص مستقبلية هي الأيديولوجيات التي سوف تحكمنا بالنسبة إلى قصص داوود. لهذا تلزمنا دراسة نصوص حسن داوود بمنهج السوبر تأويل فلا نرى النص من خلال ذاته فقط ولا من خلال نصوص عالقة في حاضرنا وماضينا بل ننظر إلى النص من منظور النصوص المستقبلية التي يتنبأ بها أو ينتجها. من هنا، لا بد من ترسيخ الأرضية الفلسفية من أجل صناعة مفاتيح الأبواب والنوافذ المستقبلية المغلقة. فما هو التفسير وما هو التأويل؟ و لماذا نرغب في الهرب منهما؟
جدل التأويل والتفسير
أوضح التراث الفرق بين التفسير والتأويل، وانقسم الكتّاب والمفكرون والفلاسفة إلى فريق مدافع عن التفسير وآخر مدافع عن التأويل. أتباع التفسير قبلوا بظاهر النص فعُرِفوا بأصحاب الظاهر بينما أتباع التأويل لم يقبلوا سوى بما خفي في النص فعُرِفوا بأصحاب الباطن. والخلاف ما زال قائماً حول أيهما أفضل وأقرب إلى الحق والحقيقة. ولم يبق الخلاف فكرياً بين التفسير والتأويل أي بين الظاهر والباطن بل تطور ليصبح صراعاً دموياً بين الفِرَق الإسلامية المختلفة. هكذا حوّلنا أجمل خلاف فلسفي إلى أقبح حرب أهلية عمرها أكثر من ألف وأربعمائة سنة. على هذا الأساس، البحث في اختلاف التفسير عن التأويل ليس ضرورة معرفية فقط بل هو ضرورة اجتماعية وإنسانية أيضاً. فبينما أن التفسير هو دراسة فحوى النص من خلال أجزاء النص نفسه، التأويل هو دراسة مضمون النص من خلال نصوص أخرى. هذا الفرق بين التفسير والتأويل أساسه الاختلاف حول المعنى. فابن سينا مثلاً يعتبر أن المعنى هو ما تدركه النفس، وبذلك تكون معاني أي نص محدَّدة من قبل ما ندركه من النص. وبما أن من الممكن أن ندرك في أي نص معاني فلسفية وصوفية، إذن بالنسبة إلى ابن سينا تأويل النص هو الطريق الصحيح لفهمه. هكذا نظرية ابن سينا في المعنى أدت إلى قبوله بالتأويل بدلاً من التفسير. أما بالنسبة إلى ابن تيمية فالسياق يحدِّد المعنى ، وبذلك لا بد من فهم النص على ضوء أجزائه و ليس من خلال نصوص أخرى كنصوص الفلسفة أو التصوف. لذا يقبل ابن تيمية التفسير فظاهر المعاني ويرفض التأويل الباطني لأي نص. هكذا أيضاً تكون نظرية ابن تيمية في المعنى أوصلته إلى قبول التفسير الظاهري للنصوص. لكن من الممكن أن نبني نظرية مختلفة في المعنى مفادها أن المعنى هو ما نخلق ونصوغ من خلال هذه الكلمات والعبارات أو تلك. إذا قبلنا هذه النظرية قد لا نحتاج إلى الاختيار بين التفسير والتأويل بل قد تدفعنا هذه النظرية إلى إنشاء مقاربة مختلفة للنصوص. فبما أن المعنى هو ما نولده من خلال اللغة، وبما أن من الممكن توليد معانٍ جديدة، إذن يبدو أن المقاربة الصحيحة للنصوص كامنة في قراءة النص من منطلق قدرة النص على إنتاج نصوص ومعانٍ جديدة. وهذا ما نسميه السوبر تأويل.
ا بد من التمييز بين التأويلية والسوبر تأويلية. فبينما التأويلية هي قراءة النصوص و فهمها على ضوء نصوص أخرى متشابهة أو مختلفة وموجودة في الحاضر أو الماضي، السوبر تأويلية هي قراءة النص وفهمه من خلال النصوص المستقبلية، أي النصوص التي ستولد وتتشكّل في المستقبل. هكذا تختلف السوبر تأويلية عن التأويلية. السوبر تأويلية تحرر النص من النصوص الموجودة في الحاضر والماضي وبذلك تحرر الناقد والكاتب معاً من سجون المعتقدات والأفكار والمناهج التقليدية. لكن التأويلية تُبقي النص سجين النصوص الأخرى الموجودة بالفعل في حاضرنا وماضينا وبذلك تسجن المعاني في مضامينها الماضية والحاضرة. على هذا الأساس، يتفوق السوبر تأويل على التأويل. بالإضافة إلى ذلك ، يعاني كل من التأويل والتفسير من مشكلة قاتلة يتجنبها السوبر تأويل. بالنسبة إلى التأويل، الطريقة السليمة من أجل دراسة أي نص قائمة في فهم النص على ضوء نصوص أخرى. من هنا، إذا اعتمدنا التأويل لن نفهم النص الذي نريد فهمه بل سنفهم النصوص الأخرى التي على أساسها قرأنا النص الذي نرغب في دراسته. فمثلاً ، إذا درسنا النص الديني فلسفياً، أي على ضوء النصوص الفلسفية المتاحة لنا، نكون قد درسنا تلك النصوص الفلسفية بدلاً من دراسة النص الديني. هكذا يفشل التأويل في إيصالنا إلى الفهم الحقيقي للنصوص. أما إذا درسنا النص من خلال أجزائه وسياقه فقط كما يفعل التفسير، فحينها نكون قد درسنا ظاهر كلام النص وما يعبّر عنه حرفياً ما يتضمن عدم دراستنا لما يقصد النص من وراء خطابه. هكذا يفشل التفسير أيضاً في فهم النص ومقاصده. لكن السوبر تأويلية تتجنب المشكلتين السابقتين ما يشير إلى تفوقها على التأويل والتفسير معاً.
بما أن السوبر تأويلية تدرس النص من خلال نصوص قد تنشأ في المستقبل أو من خلال نصوص من الممكن أن توجد رغم عدم وجودها في الحاضر والماضي ، وبما أن تلك النصوص التي على ضوئها تدرس النص هي نتائج مستقبلية محتملة للنص الذي نريد دراسته، إذن حين تدرس السوبر تأويلية النص تكون تدرس بالفعل النص ذاته الذي تريد دراسته بدلاً من أن تدرس نصوصاً أخرى مختلفة عنه كما يفعل التأويل. هذا لأن النصوص المستقبلية التي من خلالها يدرس السوبر تأويل النص هي نصوص يؤسسها النص نفسه الذي نرغب في دراسته. هكذا تتجنب السوبر تأويلية الوقوع في مشكلة التأويل ألا و هي دراسة نصوص أخرى مختلفة بدلاً من دراسة النص ذاته الذي نريد دراسته. السوبر تأويلية هي دراسة النص على أساس ما قد ينتج من نصوص في المستقبل ؛ فأي نص تتشكّل معانيه بشكل أوضح من خلال ما قد يبني من نصوص إضافية. السوبر تأويلية دراسة للمعاني الممكنة التي قد تولد في المستقبل، لكن السوبر تأويلية أيضاً هي دراسة النص ذاته الذي نريد دراسته لأن النصوص الأخرى التي نعتمد عليها من أجل فهم النص الذي نريد فهمه هي من صناعة النص نفسه الذي نرغب في فهمه. فقيمة أي عمل كامنة في نتائجه. من هنا، قيمة النص قائمة في قدرته على صياغة نصوص أخرى. لذا الدراسة السليمة لأي نص تتكوّن من دراسة النص على ضوء ما قد ينتج من نصوص في المستقبل تماماً كما يؤكد السوبر تأويل. من جهة أخرى، بما أن السوبر تأويلية تدرس النص من خلال ما قد يعنيه في المستقبل، أي من خلال نصوص مستقبلية قد ينتجها، إذن لا تدرس السوبر تأويلية النص من خلال ظاهر كلام النص ومن خلال ما يعبّر عنه حرفياً بدلاً من دراسة مقاصد النص وما وراء كلماته وعباراته، وبذلك تتجنب السوبر تأويلية مشكلة التفسير. على هذا الأساس، السوبر تأويلية هي المنهج الأفضل لفهم النصوص.
جدل التفكيك والتحليل
من الضروري أيضاً أن نميّز بين التفكيكية والسوبر تفكيكية. التفكيكية كما قدّمها دريدا هي منهج دراسة النص من خلال ما يملك من لا معقوليات. بالنسبة إلى دريدا، كل نص يعتمد في تكوينه على لامعقوليات معينة، ووظيفة النقد هي إظهار لامعقوليات النص. من هنا، يحتاج النص إلى تفكيك لتتضح اللامعقوليات التي يحتويها وعلى أساسها يتشكّل. لكن السوبر تفكيكية تختلف عن التفكيكية. هذا لأن السوبر تفكيكية تهدف إلى إظهار كيف أن لامعقوليات النص قد تغدو معقوليات في المستقبل بينما التفكيكية تركز على إظهار لامعقوليات النص. بينما التفكيكية مقتنعة بأن أي نص لاعقلاني إلى درجة كبيرة، السوبر تفكيكية تصر على أن أي نص تتحوّل لامعقولياته الظاهرة إلى معقوليات في المستقبل. هكذا بالنسبة إلى السوبر تفكيك اللاعقلانية الظاهرة في النص قد تصبح عقلانية كامنة في المستقبل، وبذلك وظيفة النقد هي الكشف عن العقلانية المستقبلية التي يحتضنها النص. وبينما يجعل التفكيك كل النصوص فالبشر لا عقلانيين، يحافظ السوبر تفكيك على عقلانية النصوص و البشر من دون أن ينسى اللا عقلانية الظاهرة في كل نص و في كل فرد. و تتمكن السوبر تفكيكية من الجمع بين لاعقلانية الخطاب وعقلانيته لأنها تؤكد على أن اللاعقلانيات الظاهرة اليوم في أي نص قد تمسي عقلانيات المستقبل. العقلانية مفهوم نسبي يتغير من زمن إلى آخر. فما كنا نراه على أنه غير عقلاني في الماضي أصبح اليوم عقلانياً إلى أقصى درجة. فمثلاً، كانت البشرية تظن أن فكرة أن الأرض ليست هي محور الكون فكرة لا عقلانية، لكن هذه الفكرة اللاعقلانية أمست فكرة عقلانية مقبولة من قبل الجميع. هكذا تتحوّل اللاعقلانيات إلى عقلانيات، وبذلك لا بد من دراسة كيف تصبح لامعقوليات الماضي معقوليات المستقبل، وهذا ما تقوم به السوبر تفكيكية. بما أن المعتقدات اللاعقلانية في الماضي تغدو معتقدات عقلانية في المستقبل كما يرينا التاريخ البشري، إذن لاعقلانيات النصوص تصبح عقلانيات نصوص أخرى في المستقبل كما تقول السوبر تفكيكية بالضبط. من هنا، تكتسب السوبر تفكيكية مصداقية منهجية و معرفية كبرى.
الآن، بما أن السوبر تأويلية هي دراسة النص من خلال النصوص التي قد تتكوّن في المستقبل، وبما أن السوبر تفكيكية تدرس النص على ضوء تحوّل لاعقلانياته في الحاضر والماضي إلى عقلانيات في المستقبل، إذن تتصالح السوبر تأويلية والسوبر تفكيكية و تنصهران في منهج واحد يسعى إلى فهم خطاب حاضرنا وماضينا من خلال ما قد ينشأ من خطاب في المستقبل. وهذا ما يميّز أيضاً بين السوبر تأويلية والسوبر تفكيكية من جهة والتأويل والتفكيك التقليديين من جهة أخرى. فالصراع لا ينتهي بين التأويل التقليدي والتفكيك التقليدي بينما لا يوجد صراع بين السوبر تأويل والسوبر تفكيك بل ثمة توافق و تزاوج ناجح بينهما. يهدف التأويل إلى إعادة بناء النص لكي يبدو عقلانياً على ضوء فهمه من خلال نصوص أخرى عقلانية. لكن التفكيك يهدف إلى الكشف عن لا عقلانيات النص وإظهارها علنياً بدلاً من إخفائها وإلباسها لباس العقلانية. من هنا، لا مفر من الصراع بين التأويل والتفكيك. لكن السوبر تأويل والسوبر تفكيك متفقان كما رأينا و بذلك يتم حلّ الخلاف بين التأويل والتفكيك. هكذا تكون السوبر تأويلية والسوبر تفكيكية آليتان لحلّ الخلاف الفكري والمنهجي بين المذاهب الفلسفية والنقدية المختلفة، وفي هذا فضيلة لهما. من الممكن أيضاً التمييز بين التحليل والسوبر تحليل. بينما التحليل يسعى إلى فهم النص، السوبر تحليل يهدف إلى فهم ما قد ينتج النص من نصوص مستقبلية. من هنا، تنصهر السوبر تحليلية أيضاً مع السوبر تأويلية والسوبر تفكيكية في حقل معرفي و منهجي موحّد. السوبر تحليلية لا ترى النص سوى في توالده في نصوص تنمو في المستقبل. وبذلك تشارك السوبر تحليلية في صناعة المستقبل بدلاً من أن ترضى بتحليل النص على ضوء حاضره وماضيه. هكذا السوبر تحليلية تحررنا لتجعلنا كائنات مستقبلية بدلاً من أن تسجننا في قبور حاضرنا وماضيه. من لا يستطيع قراءة حاضره وماضيه في مرايا مستقبله لن يختبر الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل . يحتاج كتاب " فيزيك " لحسن داوود إلى قراءة مستقبلية أوضحنا بعض سماتها في رحلتنا القصيرة هذه.