"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة السياسة: إنقاذ العراق.. بناء أمة محطمة"- ليندا عثمان

date: 
Thu, 11/11/2010

كثيرون قرأوا كتاب نمير أمين قيردار "انقاذ العراق: بناء أمة محطمة" الصادر في بيروت عن دار الساقي في 380 صفحة من الحجم الكبير بلغات أجنبية, من بينهم هنري كيسنجر وآلان جوبيه, وبريجنسكي الذي قال: "يجب أن يسمع ويقرأ على نطاق واسع, فهذا الكتاب يقدم برنامجاً تجديدياً, مفصلاً ومتكاملاً لنهضة سياسية واقتصادية واجتماعية في العراق, ولقيام عراق جديد علماني ليبرالي وديمقراطي, وأهم المبادئ التي يطرحها فصل الدين عن السياسة والغاء الدستور الحالي ويدعو لفترة حكم انتقالية تركز على بناء الاقتصاد الوطني وتمهد لمرحلة اصلاح سياسي, واستثمار الاحتياط النفطي الغني لتصبح البلاد منارة للرخاء والازدهار.

فالعراق لا يزال في مهب الصراعات منذ عقود طويلة, من النظم الديكتاتورية التي قادت الى خراب شامل وحروب مدمرة وصولاً الى الاحتلال الأميركي عام 2003 الذي أدى الى مزيد من الفوضى والعنف والتفكك تحت شعارات موهومة, لكن قيردار المولود في العراق والذي أسس ويرأس بنك "انفست جروب" (Invest group) الاستثماري الدولي والذي لا يود العودة الى بلاده, يبث الأمل من جديد, ويدعو أبناء العراق الى النهوض واستغلال طاقات بلادهم الغنية وتحقيق مستويات عالمية من الصحة والسكن والتعليم لكل أبناء الشعب. واذا لم يبادروا الى ذلك, فقد يتفكك العراق تحت ضغوط الصراعات القبلية والعرقية والدينية, وقد يمتد العنف الناجم عن ذلك الى الدول المجاورة.

"انقاذ العراق" كتاب له أهمية عالمية لانه يطرح منهجاً عقلانياً لايجاد حل ناجح في بلد عانى تراجعاً مأساوياً, وحسب "النيوزويك" رؤية ملهمة لمكانة العراق في ظل النظام العالمي الجديد  "وهو" يطرح رؤية واضحة ومادة قيمة للقضايا المعقدة من أجل عراق مستقر ومزدهر "حسب هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا الاسبق ومستشارها القومي..
فالعراق اليوم حسب المؤلف هو مجتمع يتشظى بعمق ويكابد باستمرار العداوة والبغضاء والعنف, ولا يجد المواطنون فيه خياراً سوى الاعتماد على تضامن طائفي من أجل البقاء. وان الخوف والعنف والانتقام يجري بلا هوادة, أما الذين يستطيعون المغادرة ولاسيما المثقفون من أبناء الطبقة الوسطى فقد تركوا الوطن زرافات ووحدانا, فالأذى الذي أصاب العراق منذ العام 2003, قد أوقعه عراقيون وليس أميركيين ففي خلال السنوات الخمس الماضية لم يكن المرء يتصفح جريدة في الشرق الأوسط الا ويجد على صفحاتها الأولى أخباراً عن الفضائح الجارية في العراق خمسة وعشرون قتيلاً هناك وخمسة وستون هنا, كذلك التطهير العرقي والطائفي, لاجئون ومهجرون, وثمة أحياء سكنية كانت مختلفة في الماضي غدت من لون واحد, هناك الفساد العلني وموظفو الحكومة يحميهم جنود مرتزقة... ومن المثير للاحباط أن نرى طاغية شريراً تحل محله حفنة من المحتالين والمتعصبين والأوغاد. وكيف أن السفارة الأميركية في بغداد (وهي الآن الأكبر في العالم), واليها يعود مئة وأربعون ألف أميركي من الرجال والنساء بالزي العسكري, ينظر اليها من قبل ملايين العراقيين على أنها تحمي حكومة فاسدة ومفروضة فرضاً وقابعة في قلعة المنطقة الخضراء وكيف أن العراق قد انتهى أمره الى دولة فاشلة بدلاً من أن يكون نموذجاً للوحي والأمل.

في اعتقاد الكاتب, أولاً, أن على الولايات المتحدة أن تقول بشكلٍ واضح وقاطع, انها لا تسعى الى وجود عسكري دائم في العراق, لقد قدم في كتابه خطة تهدف الى بناء عراق جديد ومستقل وموحد وعلماني, مستخدماً التجارب من ماضيه, ومن تجربته الشخصية, ومن قصص النجاح في العالم. ولكن هذه التوصيات الخاصة بالتحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي, لا يمكن أن تنفذ الا اذا تغيرت الحالة الحاضرة الحافلة بالخصام المأساوي والتفكك السياسي. ولكنه يرى أن الوضع على كونه قاتماً, يجب أن لا يفقد فيه المرء الأمل, ولم تزل هناك امكانية لايقاف التدهور ولتغيير مجرى الأمور, وعن هذه الكيفية يقول: ان العراق بعد خمسة وأربعين عاماً من القمع والحكم الشمولي, أعقبتها خمسة أعوام أخرى من الفوضى والدمار في ظل الاحتلال, يحتاج الى فترة انتقالية طويلة لفسح المجال لاعادة التأهيل في ظل حكم عادل ومركزي ويروم الخير للناس. وعلى هذا النظام الجديد أن يلغي المطالب العرقية والطائفية كافة وأن يزيل أية اشارة اليها, فالعراق يحتاج الى اعادة القانون والنظام والى اعتبار العراقيين كافة مواطنين متساوين, والى رعاية مجتمع مدني سليم ينبض بالحيوية. والأهم من ذلك أنه يحتاج الى التركيز على الاعمار الاقتصادي الواسع والتنمية الشاملة.. ان كل ذلك يتطلب أناساً وطنيين وأبناء مخلصين, حتى ينهضوا بمهمة تأسيس نظام سياسي جديد مكرس لبناء عراق جديد مع مجتمع مدني قوي وسلطة قضائية متينة, وأولى المهمات, فرض منع التجوال في الحال لفرض تطبيق القانون والنظام بشكل حازم لضمان الأمن والاستقرار, فما أن يسود الأمن ويشعر الناس بأن المستقبل يبشر بالخير, حتى يصبح من الممكن اجراء تحول كبير في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي... كذلك يؤكد الكاتب على وجوب أن تكون زعامة العراق الجديدة وطنية تماماً من دون روابط سياسية مسبقة, أو انتماءات الى جهات أخرى. ومن دون أن تكون في ذمتها أفضال يجب سدادها لأية دولة أجنبية.. وأيضاً أن تكون الاشارة الى أية خلفية طائفية أو عرقية من المحرمات. وعلى العراقيين كافة أن يتمتعوا بحقوق متساوية, وأن تكون عليهم مسؤوليات متساوية, وفي هذا السياق يلفت الكاتب بأن معظم العراقيين الذين تحدث معهم يعلنون في السر اعجابهم بانجازات الزعماء في العهد الملكي الهاشمي الدستوري... ويوجه الكاتب نداءه الى الزعامة الجديدة للعراق بداية وجوب ازالة ما أقامه الاحتلال, وذلك بالغاء المجلس النيابي الطائف السيئ الاختيار, والغاء الدستور الداعي للانقسام, ووقف العمل بحكومة المنطقة الخضراء ذات العقلية المنغلقة, وينبغي كذلك التوقف عن سياسة تفكيك الجهاز الحكومي لما قبل 2003 وهي سياسة جلبت الكوارث للبلاد بعد الاحتلال. ومن الضروري عودة جميع الموظفين المدنيين والعسكريين الذين خدموا قبل الغزو الى وظائفهم باستثناء المدانين بجرائم ارتكبوها. وباختصار يرى الكاتب أنه ينبغي ايقاف العمل بعملية اجتثاث البعث ايقافاً تاماً, أما الفيدرالية التي أنشئت للتغطية على الحكم الذاتي العراقي والطائفي, فيجب أن تلغى ويستعاض عنها بتوزيع بعض سلطات الحكومة المركزية على أساس جغرافي وايداع القيام بها الى المحافظات العراقية البالغة ثماني عشرة محافظة والى عشرات البلديات الموجودة في القطر التي لا تقوم على أساس هوية عرقية أو دينية.

 ووجه "نمير قيردار" نصائحه الى الولايات المتحدة كي تساند الحكومة الانتقالية الجديدة, وذلك بأن تسحب قواتها -فعلياً- من العراق مع استمرارها في تقديم المعونة المالية والفنية لمساعدة البلاد على التطور نحو حليف مستقر ومزدهر وموثوق في الشرق الأوسط. ان على الأميركيين والعراقيين, بدلاً من أن يقتل أحدهم الآخر, أن يعملا معاً لبناء اقتصادي قوي يمكنه في النهاية أن يدمج نفسه في السوق العالمية اندماجاً فعالاً ومنتجاً.
وختم الكاتب في هذا السياق بأن الجمع بين كل هذه المتغيرات سيؤدي الى قيام مجتمع استهلاكي يفضي الى طبقة وسطى مزدهرة ستشكل الأساس لديمقراطية ليبرالية قابلة للاستمرار وان طبقة وسطى نابضة بالحيوية, هي عنوان الاقتصاد العصري المتنامي, وهي مؤشر مسبق لاستقرار بعيد المدى, انها تضمن أن يكون لجزء كبير من السكان أمل كبير بالمستقبل وأن يولد لديهم الرجاء بأن الأحلام يمكن تحقيقها فيجدر العمل لأجلها. وحين يتمتع العراقيون بالرخاء مع فائدة ملموسة متزايدة فسيرغبون رغبة حقيقية في الاستقرار ويحولون اهتمامهم بعيداً عن الانتماءات الضيقة المؤدية الى الانقسامات, العشائرية منها أو الدينية أو العرقية. وعندئذٍ سيسهم العراق بجعل الشرق الأوسط مكاناً آمناً.

ويختم الكاتب بأن استقرار العراق ورخاءه, لا يمكن تحقيقهما الا من خلال تغيير شجاع كامل, تغيير من شأنه ايقاف الانحدار وضمان العودة الى عراق علماني متحد, متعطش لتحقيق معجزته الاقتصادية, عراق يمتد من حدوده الشمالية مع تركيا الى حدوده الجنوبية مع الكويت فالخطيئة الجسيمة التي وقعت منذ الاحتلال هي عدم الادراك بأن العراق لا يمكنه أن يكون دولة ديمقراطية سليمة ومزدهرة بين ليلة وضحاها. وأن أي خطة بعيدة المدى, لمستقبل العراق يجب أن تتضمن مرحلة انتقالية مستقرة تمتد من سقوط "صدام" حتى تحقيق النتيجة المرجوة. ان محاولة التغاضي عن هذا الشرط المسبق, قد سببت الكثير من المشاكل في السنوات الخمس الماضية, والمطلوب الشجاعة والحكمة معاً والارادة, لاعادة البناء مرة أخرى.