"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "السفير": كريم مروة ومنطق التعميم والانتقاء - هيفاء أحمد الجندي

date: 
Tue, 07/20/2010

يغري عنوان كتاب كريم مروة «نحو نهضة جديدة لليسار في العالم العربي» (الصادر عن دار الساقي)، أيَّ باحث جاد مهتم بقضايا اليسار، فينتابه شيء من التفاؤل وهو في غمرة اليأس. لكن ما ان يبحر في متن النصّ قراءةً، نقداً وتحليلاً، حتى يغرق في لجَّة تناقض المفاهيم، تجاورها وتقابلها، دون تحليل وتحديد.
نصٌّ، أعلن غيظه من منتجه، لأنه لم يصل به إلى تحريض عقل القارئ وتفكيره، فالعقل وحده هو الذي ينتج الأفكار التي يؤسَّس ويُبنى عليها ربطاً بمحدِّدات الواقع وتناقضاته الموضوعية، لا الذات الفردية المتعالية على النص، بهذا يتحوَّل النصّ وعظاً وإرشاداً وتوصيفاً، بدليل أنَّ القارئ يجد الكثير من الـ«على» دون الـ«كيف»، نأياً للنفس عن التفسير والتعليل، فكأنَّ هذا الباحث الجاد مجرَّد تلميذ في قاعة الدرس أو في حلقة حزبية، ولكن لطالما وُجد تلامذة مشاكسون يتمرَّدون على انضباط التلقّي، وسأكون تلك التلميذة التي سوف تتمرَّد على تصنيف كريم مروة الجائر لليسار بين قديم وجديد، ولتعلن الانتماء ليسار نقدي يجهد أن يغوص في عمق الأشياء ويتفارق مع منطق الانتقاء والتعميم، لأنَّ هذا اليسار النقدي وحده هو الذي يؤسِّس ويغيِّر ويبني.
من باب التجديد في المنهج والتفكير والأدوات، يطالعنا الأستاذ مروة باجتهادات وتصنيفات تدَّعي التجديد والنقد، وغالباً ما تكون ردّاً على أصحاب التفكير الكلاسيكي من قوميين وماركسيين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حقاً أنَّ طروحات ما يسمَّى باليسار الجديد تصبُّ في خانة التجديد أم لا تعدو كونها انقلاباً فكرياً وخلطاً للمفاهيم؟.. تجديد للنقد والفكر، أم نقد جديد مُفرغ من أي محتوى؟!
هذه التساؤلات هي برسم الحوار والنقاش مع من يطلقون على أنفسهم صفة «يسار جديد» ولو أنَّ هذا المصطلح ليس بجديد، فقد ظهر بين الماركسيين عام 1950، للدلالة على اتجاه سياسي مرتبط بتزايد التحرر من تأثير البولشفية وفروعها والمعتقدات الماركسية الجذرية بقيادة لينين، وهذا ما يفسِّر حساسية البعض تجاه مفاهيم عملوا هم على إسقاطها من المنظومة الفكرية ـ السياسية (كالإمبريالية، التوسُّع الرأسمالي، التبعية، المقاومة) وهذا ما يعلِّل استعادة البعض لمقولة معيَّنة لماركس دون سواها، متجاوزين لينين، وهي: أنَّ الاشتراكية لا تبنى إلاَّ في مجتمعات حقَّقت تطوراً هائلاً في القوى المنتجة (رأسمالية).
أعتقد أن هناك فرقاً بين أن تختلف مع مفاهيم ومقولات لماركس، من الموقع الفكري الماركسي النقدي ذاته، وأن يتمّ انتقاء بعض المقولات ويُبالغ في تضخيمها تحت مسمَّى «التجديد»، على الرغم من أنَّ أصحاب هذا «اليسار الجديد» يقولون إنهم يتمسَّكون بالمنهج المادي ـ الجدلي ويعلنون الانتماء إلى الاشتراكية، ولكن عند تحليلهم وتناولهم بعض الظواهر لا يقيمون أي اعتبار لمفهوم: الطبقات وتناقضات القوى الاجتماعية، ويجري تجاوز العلاقة الرأسمالية: بين منتجين ومالكين (رأس مال ـ عمل مأجور) ويستعيضون عنها بالعامل الثقافي وكأنَّه هو محرِّك للتاريخ!. وهذا ما سوف نناقشه ونتحاور حوله مع الأستاذ مروة في فقرات تالية.
الأزمة المالية والاستنتاجات بشأنها
جاءت الأزمة المالية، يقول كريم مروة، لتؤكِّد أنَّ طبيعة النظام الرأسمالي، ولا سيما في ظل تحوُّله إلى عولمة رأسمالية، سيظل يفرز الأزمات، والسبب أنَّ رأس المال المعولم تجاوز في طريق تطوره العاصف القوانين الموضوعية، وأنَّ أصحاب الرساميل وضعوا قوانين تخصهم هم بالذات، دون أن يحسبوا حساباً للبشر ولحقوقهم التي نصَّت عليها شرعة حقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة.
ويستخلص السيد مروة، من الأزمة المالية، استنتاجات، منها:
1ـ رأس المال في ظل توحُّشه، كوَّن اتجاهاً موضوعياً قاد إلى وحدة العالم، وأول مظهر من مظاهر الوحدة: أوتوسترادات المعرفة والاتصالات وما يتصل بها من مظاهر التقدم، وهذه الوحدة تجعل الشعوب تفكِّر أنها لا تستطيع أن تكون بمنأى عمَّا يجري من تحولات.
2ـ الدولة الوطنية لا تزال بحاجة إلى أن يتعزَّز دورها، لأنَّ رأس المال تجاوز دور الدول واتخذت حركته استقلالية شبه مطلقة خارج المؤسَّسات المالية وعليها أن تُخضع رأس المال للقانون الذي ينظِّمها ويحدّ من مخاطر استخدامها العشوائي.
3ـ الاتحادات تشكِّل في تكوُّنها مظهراً من مظاهر التعبير عن وحدة العالم وتؤدي لخلق مراكز قوى جديدة إضافة إلى الصين التي تشهد تطوراً.
في البداية نقول إنَّ الرأسمالية لطالما كانت معولمة، وما نشهده في هذه المرحلة من تطورها هو مرحلة رأسمالية إمبريالية متوحشة، ومن مؤشرات هذا التطور هو تدويل الرساميل وهيمنة رأسمالية المصارف. فهل تناسى الكاتب أنَّ أحد أهم قوانين الرأسمال هو الربح والسعي الحثيث وراء الأرباح، ومن هنا، ولكي لا تفقد فوائض الرساميل قيمتها في المراكز، تبحث عن منافذ لتصديرها واستثمارها وتأخذ شكل قروض للبلدان المتخلِّفة والفقيرة التي يطالبها بالاندماج، وهذا ما يفسِّر الخصخصة الجارية على قدم وساق لتضمَّ مجالات جديدة من الحياة الاجتماعية (الصحة، التعليم) سعياً لزيادة الأرباح. وكيف يمكن «قوننة» رأس المال في ظل هيمنة أصولية السوق والتوسُّع الاستغلالي الإمبريالي وما يترتَّب عليه من تقسيم اجتماعي جديد للعمل، لا سيما أننا بلدان ذات أجور رخيصة ومتخصِّصة بالأعمال ذات الكثافة العالية في اليد العاملة، وكذلك فإنَّ تركيز الاستغلال يحوِّلنا إلى أسواق عمل رخيصة، وهذا ما يعطِّل التصنيع في بلدان الأطراف؟ إذاً فإنَّ رأس المال المعولم لا تقوننه نوايا كريم مروة الطيِّبة ونقده الأخلاقي الخجول له!
أما بما يخصّ ثورة الاتصالات والمعرفة فإنَّ مهمتها تتركَّز في تسهيل أعمال الشركات المتعدية الجنسية ونقل الأموال والبضائع. وهذه الشركات تعزِّز دور الدولة أو تقلِّص هذا الدور حسب مصالحها وبما ينسجم مع متطلبات العولمة ومؤسسات السوبر ـ دولتية التي تخدم الطور الإمبريالي. إذاً فالقضية قضية من يملك وفي خدمة مَنْ؟ أما بما يخص المؤسسات التي يعتبرها كريم مروة ناظمة، كصندوق النقد الدولي والتجارة العالمية، فهاتان المنظَّمتان تعملان كآلتي حرب، وضمن الإطار الذي تحدِّده الولايات المتحدة القائمة، والمبنية على تحرير التحركات المالية الدولية من أجل مزيد من الأرباح، بحيث تتحوَّل، حتى المعرفة، إلى سلعة لتحقيق الريع.
العولمة توحِّد العالم، ولكنها أيضاً تمزِّقه، تشتِّته، وتخلق فجوة بين البلدان الغنية والفقيرة.
الحضارة العالمية الإنسانية ونوايا أوباما الطيبة!
في ما يشبه الحلم ـ (ولا أعرف إذا كان الحلم عند السيد كريم مروة قد حلَّ محل التفكير العلمي ـ المنهجي برصد المتغيرات!) ـ يرى مروة أن هنالك حضارة عالمية قيد التكوُّن، وهي حضارة تستكمل، في شروط العصر بمنجزاته الهائلة، ما قدمته الحضارات السابقة... وأنَّ منجزات العلم والمعارف والآداب والفنون قد بدأت تكوِّن لغة عالمية أساسها حوار الثقافات وستقود إلى وضع أسس لصيغة جديدة غير مسبوقة لعالم الغد... إضافة إلى «نوايا أوباما الطيبة»، والعتب عليه لأنه نكث بوعوده!
ما يثير دهشة القارئ، هو انزلاق كريم مروة إلى الخطاب الأيديولوجي الثقافوي بما يؤدي إلى تمييع حركة الصراع الاجتماعي، وإدارة الظهر للتناقضات الحقيقية وإرجاعها إلى عوامل الثقافة، وكأنَّ العوامل الثقافية هي محرِّكة التاريخ! ولا أدري إذا كان مروة يريد أن يدير الصراع حضارياً وإنسانياً، وكأنَّ العالم أمسى متجانساً متآخياً ليحلَّ حوار الثقافات محل صراع المصالح والطبقات؟ فمن شأن هذا الخطاب الثقافوي أن يصبّ في مصلحة الكولونيالية الجديدة، ويؤدي إلى حجب البربرية الأميركية، ويعبِّر عن رغبة في التكيُّف والاندماج بالعولمة، والتوافق مع التحول الرأسمالي، عدا أنَّ اعتماد هذا الطرح يؤدي إلى تأبيد التخلُّف وتجميد التطور.
أما بخصوص الرئيس أوباما، الذي يريد تلطيف الامبريالية الأميركية وتجميلها، كما توحي مدائح مروة «لنواياه الطيبة»، وكأنَّ أوباما هو وحده الذي يدير دفَّة السياسة الخارجية الأميركية، في حين أنَّ أوباما ما كان ليصل إلى سدَّة الرئاسة لولا رضى وقبول قطاعات رأس المال الاحتكاري، وهو، من موقعه الرئاسي هذا، أخذ يُكثر من «الإعلان» عن «نواياه الطيبة»... هذه النوايا الرئاسية الطيبة ستحوِّلنا، بإذن الله، إلى هنود حمر في المراحل المقبلة وفي ظل كولونيالية تنهب وتفني الشعوب الصغيرة تحديداً... فما يتشكَّل إذاً، ليس بحضارة إنسانية، بل مرحلة من الغزو الاستعماري.. وخطاب أوباما لا يعدو كونه إدارة للأزمة ولا يشكِّل نقطة تحوُّل في السياسة الأميركية. أما الحضارة الإنسانية فهي لا تُبنى إلاَّ خارج قوانين التراكم والنهب الرأسمالي وبتجاوز هذه القوانين.
التغيير الديمقراطي السلمي
يربط كريم مروة التغيير بالشروط الجديدة، شروط ما بعد الانهيار، ويطالب المجموعات السياسية، ذات اليسار واليمين، بالابتعاد عن العنف لأنه يقود إلى تدمير الذات والمجتمع، والبديل من العنف هو أشكال ووسائط ديموقراطية متعدِّدة للنضال من أجل التغيير، وعلى اليسار أن ينفتح على القوى الديموقراطية بكل أطيافها.
عملاً بإرشادات مروة، ولكي تكتمل مشهدية النضال الحضاري، ندعو الفقراء المحرومين الى أن يناضلوا وهم يرتدون قفازات وأثواباً حريرية، لأنَّ طرح مروة هو طوبى، يصحّ على مجتمع متجانس، الدولة فيه على نفس المسافة من الفئات الاجتماعية، وليس في مجتمعات طبقية طائفية ضعيفة الإنتاجية تزداد فيها حدة التفاوت يوماً بعد يوم... ويا خوفي إذا كان السيد مروة يعتبر نضالات الفقراء شكلاً من أشكال العنف تهدِّد بناء الدولة الديمقراطية! وعندما يقضّ الجوع مضجع الفقراء، فإنهم لا يقيمون أي اعتبار لمظاهر «الحريات الديمقراطية» التي لا تسد الجوع..
عن الدولة الحديثة و«الانتخاب الحر»!
من بين أهم المرتكزات التي اعتمدها كريم مروة أساساً للتغيير: بناء دولة حديثة، «دولة الحق والقانون»، وإذا قلنا «دولة حديثة» فهذا يعني دولة ليبرالية (رأسمالية). وما يثير دهشتي عند الأستاذ مروة وغيره من الكتَّاب، الذين يعودون إلى استلهام رؤى وتصورات مفكِّري وفلاسفة القرن التاسع عشر لمفهوم «الدولة الحديثة».
وهنا لا يسعني إلاَّ أن أطرح مجموعة من التساؤلات على مروة لنرى إذا كانت دعوته لبناء تلك الدولة الحديثة (حسب مواصفاته لها) تتوافق فعلاً مع إمكانات التحقُّق في مجتمعاتنا، أم أنها بحاجة، بعد، إلى تدقيق وتمحيص ورؤية أعمق للواقع:
1 ـ كيف يُدعى إلى بناء دولة حديثة وديموقراطية في ظل إمبريالية معولمة، وفي ظل هيمنة أصولية السوق بما يؤدي إلى منافسة غير متكافئة، وبالتالي غير ديموقراطية، أي منافسة تولِّد اللامساواة الفعلية في الصراعات الاجتماعية.
2ـ هل الدولة الأوروبية الراهنة تحتفظ بذات الجوهر والقوام المادي لدولة القرن التاسع عشر؟
3ـ هل يمكن التحدث عن عقلنة للدولة «تعقلن المجتمع المدني» ويكون دورها هو دور ضبط عام وإدارة للصراعات وما تحتويه من مضمون عنفي؟
4ـ هل تكوَّن، في لبنان والعالم العربي رأسمال وطني يبني قاعدة مادية ويحقِّق مستوى تطور هام للقوى المنتجة، بمعزل عن تكوُّنها التبعي المرتبط أساساً بالغرب الرأسمالي.
بعد هذه التساؤلات، نصل إلى القول إنَّ الدولة الحديثة ارتبطت بانقسام المجتمع إلى مالكين ومنتجين، أي بظهور الملكية الخاصة لحظة انفصال المُنتَج عن وسيلة إنتاجه. والدولة، بهذا المعنى، لا يمكن أن تكون خارج الصراع الاجتماعي وصراع الطبقات، وقد تبدَّدت أسطورة الدولة الحديثة المنظِّمة، والعقلانية، والتي تعقلن الإنتاج والمجتمع المدني، لأنَّ التناقضات الطبقية كفيلة بقلب الشكل العقلاني الأصلي.
وإذا انتقلنا من الإطار النظري إلى الإطار الواقعي المشخِّص، لرأينا مختلف الفرقاء، في لبنان مثلاً، اليمين واليسار، يطالبون ببناء الدولة. فليحدِّد لنا مروة: بماذا يختلف اليسار عن اليمين بدعوته إلى بناء الدولة، ما هي رؤيته للدولة ـ شكلها ـ سماتها ـ طبيعتها؟لا سيما أنَّ اليمين الممثَّل بالبرجوازية المقاولة، غير جدّي في تعاطيه مع مسألة بناء الدولة الديموقراطية الحديثة، بل هو يعيد إنتاج الدولة الطائفية الحامية للطوائف والتي تعمل على إبطال مفعول أي بناء جدّي للدولة، وذلك لتكريس هيمنتها عبر استزلامها لرعاياها في كل طائفة، وتعيد إنتاج الشكل المشوَّه ـ التابع ـ المسخ ـ للدولة. لأنَّ هذه البرجوازية الطفيلية تعمل كوسيط عند الرأسمال الأجنبي والريع العربي بقيادة الأمير الوليد بن طلال، مثلاً. إذاً فالمقاولون والطائفيون غير معنيين ببناء جدي وحقيقي للدولة الحديثة! فأيُّ فئة ـ أو فئات ـ إجتماعية، إذاً، عليها هي أن تبني، جدّياً، هذه الدولة الحديثة، وكيف؟
وانطلاقاً من سياقات فصول الكتاب ومضامين هذه الفصول ينطرح سؤال بديهي، هو: هل أن مجمل دعوات الكتَّاب يمكن أن تؤدي فعلاً إلى «نهضة جديدة لليسار في العالم العربي» أم أنها تفضي إلى توجُّه واضح خلاصته: إلى اليمين، دُرْ ؟