"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "السفير": قصائد محبوسة - عناية جابر

date: 
Mon, 08/09/2010

في حين كان يرقد عباس بيضون في مستشفى الجامعة الأميركية في وضع صحّي حرج، كنتُ على سفر وعلى عادتي اللعينة في عدم قراءة بريدي الألكتروني، أو المرور السريع على عناوين الأخبار في جرائدنا المحلية، أو فتح هاتفي النقّال. كان يرقد في مُصابه، وكنت في انقطاعي عن كل ما ذكرت كمن تحمي نفسها من عذاب معرفة ذلك المُصاب. حين عدت وعلمت أصابني غمّ وفزع شديدان، ليس خشية على صديق فحسب بل فزع أسود من تلك القوى الجبّارة الخفية، التي تتآمر على الشعر، القوى المجهولة التي نغفل عن وجودها، قوى تستطيع إذا شاءت أن تُضيء التفاهة وتُطفئ نور القصائد وكأن القصيدة ليست إلا عود ثقاب.
هكذا بصدمة كتلة معدن شرسة، هوى الجسد المضطرب، فحزم الشاعر قصائده في رأسه، غافلاً عن عوّاده، متحلقين حوله ريثما يفيق من إغفاءته، فيبهر بالقصائد العيون والرؤوس، مُشبعاً غرور الكلمات التي تتدفّق من حنجرته، سريعة ومؤلمة.
أُحبّ عباس مثلما يُحبّ كل ولد أمهُ وأباه. أحبّهُ على علاّته كما تكون عليها علاّت الأهل ونحبهم. هو الغريب تماماً، وأن يكتب يقترب دفعة واحدة، ودفعة واحدة يُصبحُ حبيباً.
حين عدت من سفري وعلمت بإغفاءته، نمت نوماً عميقاً. لم أنتظر أن يُخيّم الظلام كي أدخل فراشي وأنام، تكوّرت بثيابي مُحتشدة بألم عباس وبالقصائد التي تكدّست في رأسه، وربضت على صدره ككنوز من ذهب في مغارة مسدودة.
في كلمات عباس يمتد مشهد واحد، مشهد موجوع، لكنه عنيد، عناد صلابة جسده، وصلابة فكره.
ارتباك إنساني مُذل هذا النوم يا عباس، وارتباك في رأسك وفي كلماتك المجزوز فروها.
ارتباك هو الحزن، حيث عاشت كلماتك وتحرّكت مُتفكّرة، مُتهيّجة، رطبة وتنزّ شعراً. هو ارتباك يشبه ارتباكي وأنا أكتب زاويتك هذه.
أنا من تبتلع كلماتك، وتُشير إليها بإصبعها وهي تُربّت عليها واحدة واحدة، الآن بسبب من هذه الكلمات المحبوسة في رأسك، أنام كما تنام تماماً، ريثما تفيق لتكتب عن رقدتك وأقرأها، تكتبها كما لو كانت أصابت أحداً سواك.
لن أعودك في المستشفى، وسأنقل وزن جسدي من رجل الى أخرى، أقيس بالغ كسورها، وأتنفّس بعمق، أُعين رئتيك التي عاودت الهواء. لن أزورك، وأبتلع مثلك الكلمات حتى تبادر إليها صريحة وواضحة قريباً.