"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "السفير": رواية "صابون" لرشا الأطرش.. حياة يومية محاصرة بعواطف مدمَّرة - نديم جرجورة

date: 
Tue, 07/27/2010

هذه تجربة أولى. الخروج من محترف لكتابة الرواية، إلى الرواية نفسها. التجربة مثيرة للاهتمام. يظنّ لبنانيون وعربٌ كثيرون أن الكتابة الأدبية الإبداعية لا تحتاج إلى تدريب. هذا خطأ. المحترف، الذي أدارته نجوى بركات، ضرورة ثقافية. محترفات كهذه مطلوبة. موجودة هي في أنحاء شتّى من العالم الغربي. النصّ الروائي الذي كتبته رشا الأطرش بعنوان "صابون"، نتاج مواظبة دؤوبة وتدريب طويل الأمد على احتراف الكتابة الروائية. الرواية، بحدّ ذاتها، مثيرة للاهتمام. مثيرة، أيضاً، لشيء من متعة القراءة. من متعة الغوص في عالم نسائي بيروتي.
غير أن العالم البيروتي في الرواية لا علاقة له بتحديدات طائفية/ مذهبية. هنا، لا تحضر بيروت من خلال تحليل اجتماعي مباشر لواقع العيش الشبابي، النسائي تحديداً، فيها. بل تأتي كمكان يتّسع للعيش، ويتّسع للمآزق المفتوحة على الاحتمالات كلّها، وللرغبات الموءودة والأحلام المكسورة. أكاد أقول إن بيروت (أو بعض أمكنتها على الأقلّ)، في «صابون» رشا الأطرش، شخصية أساسية (تحديد الأمكنة فيها أشار، غالباً، إلى حضور درامي ما للمدينة في عمق السياق)، وإن لم تذهب الكاتبة بعيداً في رسم ملامحها الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية، لانشغالها في سرد حكايات شابات «على شفا انهيار عصبي» (عنوان فيلم بدرو ألمودفار «نساء على شفا انهيار عصبي»، 1988). مع هذا، يُمكن رؤية المدينة على أساس حضورها المجتمعي أيضاً. يُمكن بلوغها من خلال السرد المازج، في ثنايا جمله ومفرداته، انفعال الروح ووهن الجسد وإعمال العقل لمعاندة القسوة. وعلى الرغم من أن «صابون» حافظت على سلاستها في سرد حكايات ناسها، بلغة سهلة ومعبّرة عن الهوامش الفردية للحياة، أكثر من متنها الجماعي؛ إلاّ أن الخط الفاصل بين الأدب والتحليل الاجتماعي هشّ أحياناً، لأن النصّ طالعٌ من أعماق مدينة، ومن داخل امرأة شابّة مقيمة في هذه المدينة.
هذه مسألة شخصية: قراءة رواية من منظار مختلف عمّا أرادته كاتبته. أو ربما من منظار قريب من رغبة الكاتبة في افتعال مناخ آيل إلى طرح الأسئلة، أو إعادة طرحها، على الأقلّ. أميل إلى الجانب التحليلي في الأدب، مع أني مُدرك تماماً أن الأدب غير مُطالب بأي تحليل. مُدركٌ أيضاً أن التحليل يتنافى وجوهر الأدب، وروحه وفضاءاته. مع أن روايات كثيرة وازنت بين روعة الكتابة الأدبية الروائية والأبعاد التحليلية المبطّنة، في السياسة والاجتماع والنفس والتاريخ. هناك متعةٌ في قراءة «صابون»: الشخصيات. نمط الكتابة. الأجواء المرسومة بشغف كاتبة مقيمة داخل المدينة، ومتنبّهة إلى تفاصيلها الدقيقة. بشغف كاتبة منتمية إلى الجيل الشبابي نفسه، تقريباً، لجيل غادة (الشخصية المحورية) ورفيقاتها. الحكايات المنسوجة بنسق متمكّن من بلاغته المبسّطة. البلاغة، هنا، لا تعني فذلكة في الكتابة أو في المضمون. أقول بلاغة، وأقصد بها جمالية سرد الحكايات البسيطة، وجمالية الحكايات نفسها. بلاغة القدرة على انتقاء الشفهي (الشعبي، العاديّ)، وإتاحة مجال واسع أمامه للانبساط على نصّ، انطلق من الفرديّ وانتهى بالفرديّ أيضاً. وبين الانطلاقة والنهاية، سُمح للنصّ أن يكون مرآة، انعكست عليها وفيها وعبرها تفاصيل شابات وسيّدات، في محنهنّ وخبرياتهن وأوجاعهن، وفي أفراحهن المكبوتة غالباً.
ليست رواية «صابون» أول نصّ يستمدّ جماليته من بساطة اللغة في الكتابة. أو من قصص مركونة على هامش الحياة اليومية في بيروت (أو في لبنان). لكن المناخ الذي اختارته رشا الأطرش (ما يُشبه يوميات غادة) بدا أقرب إلى تصوير مدينة، والتقاط حالاتها، ورسم فضاءاتها، من خلال حكاية غادة، الشابّة العاملة في صالون تجميل نسائي في المدينة. ليس صعباً على القارئ إدراك زمن الرواية. فالزمن واضحٌ، وضوح الرغبة في متابعة هذه اليوميات ببساطة. أي من دون تعقيد أو تصنّع.
العودة إلى بعض الماضي أليفة. أي إنها هادئة. أي إنها غير مؤثّرة، سلباً، على مسار الحدث الراهن. ذكريات فردية. أشياء مستلّة من لحظات مضت. هذه تصبّ في مصلحة النصّ. إنها جزء من سيرة غادة. الشابّة التي رأت وعاينت وتألّمت وسعت إلى فرح مشوَّه. التي أرادت حبّاً للجسد والروح والعاطفة معاً. التي غرقت في وجعها، وبدت كأنها تخرج إلى مساحة أخرى. ذكرياتها الفردية لا تصطدم بالآنيّ، بل تُكمله. كأن هناك دائرة ما، تعمل غادة على إغلاقها. الأسئلة المطروحة فيه، عن الحب والعلاقات والمهن والوقائع المحفوفة بألف لعنة وصدمة وانبعاث، ظلّت معلّقة وسط اجتهاد الشخصيات وسعيها إلى وضوح مساراتها. ليس تناقضاً في التعليق النقدي بين أسئلة معلّقة ورغبة في وضوح المسارات. إنها صورة حسّية عمّا يعتمل في ذوات شابات آثرن البحث عن خلاصهنّ، فإذا الخلاص مفتوح على مزيد من أسئلة الوجود ومعاني الحياة. «صابون»، بهذا المعنى، مؤشّر واضح إلى تفاصيل الحياة اليومية في مدينة الانقلابات الدائمة والتحوّلات القاسية. متابعة وقائع العيش فيها، من خلال غادة، طريقٌ محفوفة بشتّى العناوين. طريقٌ مؤدّية، أيضاً، إلى إعادة قراءة الذات.
تصعب قراءة «صابون» من دون استعادة فيلمي «فينوس: معهد التجميل» (1999) لتوني مارشال و«سكر بنات» (2007) لندين لبكي، مثلاً. هناك تشابهٌ واضح بين الفيلمين والرواية: اختيار صالون تجميل نسائي، للدخول في العوالم الحميمية لشخصيات نسائية مصنوعة من لحم ودم. رسم ملامح عالم إنساني مفتوح على قصص نساء يبحثن عن حبّ وصداقات، ويعشن مآزق ومنعطفات. أميل إلى القول إن «سكّر بنات» و«صابون» غاصا، أكثر من الفيلم الفرنسي، في شؤون مدينة وحالاتها، وإن بشكل غير مباشر. غير أن لكل من الرواية والفيلم اللبناني طريقة مختلفة في اختراق الحكايات المخبّأة في طيات مدينة، أو في ذاكرة أناس. فالفيلم اللبناني لم يغص، كثيراً، في أعماق الذات والروح، معتمداً على الصُور البصرية في مقاربة الحالات والحكايات. والرواية ارتكزت إلى شابّة واحدة، جاعلة منها العمود الفقري للحبكة، المكتوبة بسلاسة وهدوء لا يخفيان حجم الارتباك والتوتر في ذات الشابّة نفسها.
رواية «صابون» لرشا الأطرش مشحونة بكَمّ هائل من العواطف المدمَّرة والانسحاقات الخائبة. ملامح الأمل فيها تائهة في تشعّبات القسوة والمنافي الداخلية والصدمات المتتالية. أما النهاية المفتوحة، فاستكمال طبيعي للمسارات المفتوحة، أصلاً، على احتمالات شتّى.
نديم جرجوره
صدرت الرواية حديثاً عن «دار الساقي» (بيروت ـ لندن، الطبعة الأولى، 2010)، بالتعاون مع «وزارة الثقافة اللبنانية»، في إطار «بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009».