"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "السفير": النقشبندي ينافس "المجنون" على "ليلة في دبي" - طلال سلمان

date: 
Fri, 07/30/2010

في البدء أمسكت بالرواية التي قدمها إليّ ذات يوم، في دبي، الزميل السعودي هاني نقشبندي، مفترضاً أنها ستنفعني في التغلب على ضجري، خلال الإجازة الطارئة التي أخذتني إلى بلاد بعيدة خضراء بأكثر مما يغنّي مطربنا الكبير وديع الصافي، وهادئة حتى ليمكن أن يخدشها صوت سفيرتنا إلى قلوبنا فيروز.
قرأت صفحات من «ليلة واحدة في دبي» فوجدت بطلتها تعاني الضجر، في مدينة هائلة الحيوية والاندفاع صعوداً حتى لقد قارب البرج الأعظم فيها التسعمئة متر ارتفاعاً عن سطح الأرض، بل البحر، بحيث بات بإمكانك أن ترى من طوابقه العليا الهند ربما وباكستان فضلاً عن إيران التي تحس منه أنك إنما تطير فوقها.
كدت أترك الرواية إلى وقت آخر، لكن «بطلتها» استنجدت بي ليس لتتخلص من شعورها الممض بالوحدة، بل لسبب أخطر بكثير: فلشدة ما باغتها الارتفاع المتواتر في بناء البرج الذي كان قيد التشييد، وسرعة إنجاز الطوابق فيه، باتت تحس أنها تهوي نزولاً على مدار الساعة، حتى نسيت اسمها.
هكذا وجدت نفسي أمام مهمة إنسانية طارئة: أن أساعد هذه الفتاة الثلاثينية التي منيت بخيبة مريرة في حبها الأول أوصلتها إلى الطلاق، وإلى صدام مفتوح مع أهلها، في استعادة اسمها الذي نسيته فجأة وعجزت كل محاولاتها لاستذكاره. استنجدت بمفكرتها، بمرآتها، بساعتها التي أغاظتها بمسيرة عقربيها اللذين لا يتوقفان عن الدوران، بعمود نور في الأسفل كانت تفيء إليه ـ قبل انبعاث البرج وتعاظم ارتفاعاته ـ حيث كانت الطوابق تتزايد واحداً فوق الآخر كل بضع دقائق ـ لكن جميع محاولاتها فشلت في تذكيرها باسمها.
رافقتها وهي تنزل فتركب سيارتها وتخرج إلى الليل والشاطئ والمقاهي التي اعتادت أن ترتادها بحثاً عن أصدقاء ينادونها فيذكرونها باسمها، لكن محاولتها هذه فشلت، فزادتها مرارة.
ثم رافقتها وهي تستذكر فصول حياتها، بيتها، أهلها، مدرستها، زملاء الدراسة، وصولاً إلى الرجل الذي تزوجته برغم اعتراض ذويها.. ثم كيف تهاوت الأحلام وشجرت الخلافات بين الزوجين حتى سلما بالطلاق... وكان عليها أن تواجه، مرة جديدة وكمذنبة الآن، غضب أبيها ولوم أمها، وضيق مجتمعها بوضعها الجديد، فكان أن اختارت «دبي» للعمل، لعلها تدفن في بحرها أو في صحرائها كتاب خيبتها، وتفتح صفحة جديدة في كتاب جديد.
عانت المرأة البلا اسم، الآن، مرارة قاسية: من تكون إذاً، وهي لا تعرف نفسها، وتعيش في قوقعة مرارتها من هذا الارتفاع المتواتر على مدار الساعة للبرج الهائل الذي سد عليها نور الشمس ومنافذ الهواء، ومن ضياعها عن ذاتها، ومن رعبها من أن يتحول النسيان من حالة عارضة إلى مرض مقيم.
لجأت إلى هاتفها. استنطقت ذاكرته فلم تصل إلى نتيجة. اتصلت ببعض الصديقات لعل إحداهن تنطق اسمها لتستذكره فكان الكل يبدأ معها الكلام من حيث توقف من قبل. ثم اكتشفت ذلك السجل للاتصالات من مجهولين التي لم تكن ترد عليها. اختارت رقماً منها أعجبها توقيع صاحبه فطلبته لكنها خافت من هذه المغامرة في الضباب. وعادت تطلب النجدة فجاءتها من بواب العمارة، الهندي «اختاب» الذي ينطق بالحكمة، والذي تفرغ لمعالجتها نفسياً ببديهيات الفلسفة الهندية عن الكون والزمان والحياة، عن الحب والموت والتحولات، عن العلاقات الإنسانية، زواجاً وطلاقاً وخلافات.
حتى في مقر عملها لم تجد من يخاطبها باسمها. كان الكل يستأنف معها الكلام الذي توقف عند مغادرتها. لا حاجة هنا إلى الأسماء.
ثم كان ما كان: هتفت إلى «المجنون» الذي أعطى نفسه اسم «أنا» ودأب على الاتصال بها من دون معرفة. وبعد تردد قبلت أن يتواصل معها... ثم ارتضت أن تلتقيه إلى عشاء في مطعم. ولعله أعجبها فسمحت للعلاقة بأن تنمو فاتحة أمامها أبواب الأمل بأن تبني حياة جديدة.
لكن الصدمة كانت تنتظرها في شقته التي ذهبت إليها لتفاجأ بصورها في كل مكان، مكبرة وملونة بإتقان، وقد أضاف إليها ما أسعفه به خياله من مشاهد ومناظر طبيعية تحيط بها لتقدمها كأميرة تخرج للتو من أسطورتها.
وانتهت «ليلة واحدة في دبي» بأن استعادت «ياسمين» اسمها، واستعادت معه وعيها، بعدما غادرت سرير «المجنون» قبيل لحظات من النهاية السعيدة، التي خطط لها العاشق الطارئ والمحترف صيد النساء بإتقان لم يفسده إلا هاني نقشبندي... ربما لأنه غار من هذا المنافس ـ الطاووس، فنقل إليه الخيبة، وأرشد «ياسمين» إلى طريق العشق الصحيح!