"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة السفير - العدد 11918: مصر دلال البزري - عناية جابر

date: 
Wed, 06/22/2011

في «مصر التي في خاطري» لدلال البزري عن «دار الساقي» لا شيء أكثر وضوحاً، وأكثر واقعية من ملاحظات الكاتبة عن الحياة الداخلية لمصر. لا شيء يفلت منها، لكن كل الحزن يكمن في تلك الحقائق الناجية من الإفلات. عند البزري حواس النظر والسمع والشم، ثم العقل، تُسجّل في ثانية واحدة. لقد نجح ميكروسكوب دلال البزري في إيقاف تلك الصور العابرة، والإمساك بها، وجعلنا نراها. اكتشافات مدعّمة بمشاركة ميدانية، وبحشد تفصيلي في ظواهر مستجدة، «تجعل من مصر التي في خاطري» نصراً كبيراً للمعرفة، وطريقة للكاتبة في إدراك الذات أولاً، واحترامها، ليكون الكشف مُدركاً ومحترماً. عند أغلب محبي مصر، ذلك الميل نحوها، كما لو معجزة لا تتوقف عن إدهاشنا، لكن ليس ذلك ما يُدهش دلال البزري. فهي تسأل وتراقب، أسئلة تختلف جذرياً: ما هي الامكانيات الباقية لمصر لكي تُدهش محبيها، في وقت تختنق فيه روحها التي نعرف، من أعداء تلك الروح تحديداً. المسألة ليست في الحجاب والنقاب وسوى ذلك، المسألة كلها مصر، وإلى هذه الدرجة دلال البزري تحب مصر. ومن قلب متغيراتها تكتب، هي التي عاشت فيها عشر سنوات، مثلت لها مصر فيها، كتاباً جديداً تقرأه الكاتبة يومياً في كل فاصلة من فواصل وقتها، كتاب من ورق الكتب ومن وجوه الناس وشوارعهم، من الصور والشاشة: «كنت أكتشف مئة مرة في اليوم أنني وُجدتُ، بغفلة من القدر، أمام حقل لا يتوقف عن إثارة فضولي وأسئلتي، وحثِّي على المقارنة الدؤوبة..». العيش في بلد ليس مثل زيارته. العيش في القاهرة أتاح للبزري معاينة هرولة مصر نحو التراجع، ونبذها لكل من فيها: النساء، الفقراء، الأغنياء، أصحاب الديانات الأخرى، الغرباء: «غريبة بقيتُ في مصر، غربة لا نهاية لها، ولا شفاء منها». التعريفات حادة. واعية الكاتبة بقوة الكتابة تستسلم لها. الكتابة كإمكانية للتعريف بمكامن الخطر. كان على البزري أن تتبع ذاتها اليقظة لتفهم الشغور الحاصل في مصر حالياً، لتفهم الدوار الذي يرنّح رأس المجتمع المصري. تراقب فترة طويلة، وتتقدم خطوة خطوة إلى أن تصل إلى لب المشهد الحقيقي وخلفه، تمسك به، وتسمّيه. لعالم كتابة البزري عن مصر، طبيعة مشهدية وطبيعة تاريخية، حيث تنتشر شواهد وشاهدات كتابها في مجال زمني تحدده التواريخ التي تمنحه مصداقيته. لم تستطع الكاتبة أن تخلّص نفسها من ذلك التراث الغرامي مع ذلك بمصر، حتى وهي تسجل قصصها الواقعية الحدوث التي تقدم معرفة لا روائية بلغة الرواية.