"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة السفير - العدد 11904: دلال البزري تعيش معاناتي البيروتية في القاهرة - سلوى فاضل

date: 
Tue, 06/07/2011
عندما حضرت توقيع دلال البزري على كتابها* في بيروت لم أكن أعلم اني سأقرأه في ليلتين متتاليتين، مع علمي السابق بإسلوبها الجذّاب، وذلك يعود لكون الموضوع لا يجذبني كثيرا، أي تجربتها التي عاشتها وعانتها في القاهرة على مدى عشر سنوات. لقد دخلت الى المحترف الذي وقعّت فيه الكتاب ووجدت وجوها أعرفها جيدا من الصحافة اللبنانية العريقة وغير العريقة. الا ان احدا منهم بالطبع لا يعرفني، سوى البعض ممن أجريت معهن مقابلة لمجلة اكتب لها.
وكان اللقاء في ما بين أصدقاء دلال البزري حميما إلا انني أحسست بنفسي غريبة بعض الشي ما دعاني لان احمل كتابي الممهور بتوقيع الدكتورة وارحل غير آسفة على نشافة وجه البعض. وانه لأمر مستغرب، كوني شعرت، بما شعرت به الدكتورة دلال في القاهرة، بالغربة، وباسقاط مسبق من هؤلاء الذين اذا ما قورنوا بعدد سكان زاروب في مصر لا يعدون شيئا.
لقد أفرحني الفصل الذي تتحدث عنه الدكتورة دلال في كتابها حول موقف المصريين المسبق منها أولا لكونها لبنانية - واللبنانية بنظرهم حسب قولها ليست سوى عارضة أزياء أو راقصة فيديو كليب أو ملكة جمال أي أنها ليست سوى أداة للنظر والشهوة -، وثانيا لكونها غير محجّبة ما عرضّها لمعاناة كبيرة لم ولن تشعر بها في بيروت على الاطلاق.
وأذكر هنا موقفا مضحكا عبّرت عنه احدى الأردنيات خلال دورة تحريرية في الجزيرة في الدوحة عندما تعرفت علي وعرفت اني لبنانية قائلة:» هل من لبنانية محجبة؟ أنا أتابعهن في ستار اكاديمي وسوبر ستار، وأتابع الـ(أل بي سي) فلا أجد لبنانية تلبس مثلك».
معاناة الدكتورة دلال هذه لم تجعلني أشمتُ بها، أولا لكوننا صديقتين بالأفكار، إضافة إلى أنني أعتبر نفسي تلميذتها لجهة عدم القبول بمسلمّات اتفق عليها المجتمع سواء الديني أو اليساري أو ما يشبه العلماني. ولكوني أرى أن مجرد دعوتها لي ليس سوى إعادة صلة بين من يعتبر أننا من نهجيين مختلفين سياسيا أو مذهبيا أو إيديولوجيا. ميزة الباحثة دلال البزري أنها لم تمارس قطيعة يمارسها الصحافيون والبحاّثة والإعلاميون والسياسيون، بل إنها كما هي عادتها تكسر كل تقليد، وتُعاند كل متفق عليه لأجل مبدأ ذاتي شخصاني داخلي. حسمن أمر تعاليهن ومستواهن الثقافي وأسقطن من ليس شبيها عبر النظر الى مسألة اللباس والاحتشام والحجاب نظرة دونيّة. علما أن محجبّات كثيرات مثقفات ومتعلمات بما يكفي لأن يأخذن موقفا سلبيّا من مثقفات الإعلام وتجاره.
أن تُعاني دلال البزري في مصر لهو شعور يُفرحني لأن امرأة علمانية أو يسارية عانت موقفا شبيها لموقف مررتُ به عشرات المرات في بيروت. وأنا أعلم تماما انه لو مرّت إحدى مومياءات الثقافة ببيروت بالموقف نفسه الذي مرّت به الدكتورة دلال لما تناولته في نصها تكبّرا ليس الا. هل استغربت إحدى زميلات الدكتورة دلال ما تناولت فيه موقف المصريين والمصريات منها كونها أولا لبنانية غير غاوية أو غير لعوب أو...، لماذا؟
أما الفصل الأغرب والأجمل فهو الفصل الذي تتناول فيه مسألة التديّن المصري المنتشر بشكل ملحوظ في مصر وهذا ما لا يمكن ملاحظته كثيرا من بيروت إلا لمن يُدقق طبعا في بعض البرامج الدينية وبرامج الاستفتاءات.
فيما نقلت الدكتورة دلال يدفعني للمقارنة مع جو بيروت، بيروت بما هي صورة مصغّرة عن المجتمع اللبناني بكل أطيافها وألونها وتوجهاتها، التدين في بيروت عبارة عن تدّين حزبيّ محصور جدا وغير منتشر في مجتمع يعاند الانتشار اللغوي للدين، بمعنى أن الفئة الشبيهة في لبنان بالمجتمع القاهري محصورة فقط ضمن إطار حزب الله والجماعة الاسلامية والسلفيين والقاعديين ليس أكثر، مما يعني أن المجتمع اللبناني لم يصل في تدينّه اللغوي الى مرحلة القبول التام.
نعم وكصحافيّة أدخل مجتمعات متنوعة أجد أن فئة المتزمتين الدينيين لغويا لا زالت مهاجرة، وفي مرحلة إستنكار ضمني عام، ولم تجد لعاداتها توسعا إلا ضمن النطاق الخاص بهذه الفئات أي فئات العاملين ضمن الإطار الوظيفي لكل من الأحزاب المذكورة.
ففي الجنوب مثلا ورغم التأييد التام للمقاومة الإسلامية ولمن يُمثلها أي حزب الله، إلا أن قبول الناس للعادات الدينية لا زال بعيدا نوعا ما، ولم يهضمه سوى المتفرغين والمتفرغات من المنتسبين وعوائلهم. والأمر ينطبق على الجماعة الاسلامية وبيئتها سواء في بيروت أو طرابلس أو صيدا. ما أضحكني أني شعرت بأن الدكتورة دلال سوف تعود من القاهرة محجبّة وربما مُنقبّة نتيجة الضغط الاجتماعي عليها، لكنها ربما عاندت لكونها كانت على الدوام تفكر بموقف زميلاتها الباحثات اللواتي سيأخذن منها موقفا مؤذيا على (رجعيتها المتأخرة)، علما أن أية محجبة لا يمكنها أن تستمر بحجابها إلا نتيجة قناعة ما به على وجه من الأوجه. لقد عبّرت الدكتورة دلال عن حالتي كمحجبة في عدة فصول، ولكن بصورة معاكسة ومقلوبة ومن جهة أخرى.
انها تجربة مميزة كُتب لها أن ترى النور ولطالما أحببت أن أكتب عن علاقتي بالمجتمع الذي يعتبر كل من ليست على شاكلته غريبة، عن علاقتي بمن ينظر الى حجابي قبل أن ينظر الى قلمي وعقلي وتجربتي.
اختصرت دلال البرزي في كتابها الجديد مواضيع تشكل محلّ جدل، فقد بدأت بالنقاب أولا لدرجة اعتقدت معها أن حربها على الحركات الاسلامية لم تتوقف. ولكنها استكملتها بالمثقفين والصحافيين ولم توفر المجتمع المحلي المصري والفنانات من سيف نقدها الذي تفاوت بين الوصفي والنقدي وتميّز باسلوبها التخفيفي في عملية النقد حيال الآخر مما دفع للسؤال: هل ان تجربة الغربة التي عاشتها في القاهرة خففت من تكبّر المثقف داخلها؟ ومن نظرة التعالي التي يعيشها الباحث والمثقف؟ وهل ان التواضع المصري المتعارف عليه ضمنيا انسحب الى داخلها كمراقبة؟. فاللبناني لا يزال الى اليوم يردد كلمتين يبتدأ بهما كلامه عند كل مقارنة بينه وبين العرب الآخرين (بس نحنا...). هذه الشوفينية لا تتحجم الا بعد الخروج من شرنقة بيروت وتشاوف مثقفيها وكتابها وشعرائها وصحفيها على بقية أفراد المجتمع العربي الكبير، ويجب أن تنتهي لزاما خاصة بعد ثورتي تونس ومصر وانتفاضتي سوريا واليمن التي لا يمكن للبناني أن يقوم بمثلها مهما علا شأنه لكونه كائنا غير حر بل مكبلا بطائفيته وزعمائه. وما لفتني في النص هو أن مجتمع مصر مجتمع متدين على النمط التقليدي، وبعيد عن التدين السياسي الذي يمكن القول به في ايران، وحزب الله لبنان، وحماس غزة، واخوان سوريا والاردن، ووهابيي السعودية، والى ما هنالك من مجتمعات مقترحة عن الخيار المدني، في طور التجربة.
وما يؤكد رؤيتي أن المجتمع الإيراني مجتمع منفتح دينيا كون الإسلام بات في يد الدولة، ولم يعد طموحا واقتراحا أو مطلبا حزبيا مطلوبا تنفيذه ولو عبر الاستشهاد. ولا تمثل إيران التشدد الديني إلا فئة مُحددة وتيار ضمن عدد من التيارات، واللافت ان هذه الفئة المتشدة (الأحمدينجادية) تُقصص أجنحتها على يد أعلى ممثل للدين في إيران والعالم الشيعي اليوم.
وبالعودة الى بيروت، قد بتنا في أسفل سلم المجتمع العربي الـــذي طالما تندرّنا عليه فـــي أدبياتنا، ولطالما ضحكنا من خنوعه وذلك بسبب عمانا الإعـلامي.
* (مصر التي في خاطري) الصادر عن دار الساقي مؤخرا