"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة السفير - العدد 11803: حسان الزين: لم أتماثل مع سمير القنطار فأقمت حواراً مثمراً ومسؤولاً - عناية جابر

date: 
Tue, 02/01/2011

حسّان الزين، شاعر وكاتب وإعلامي له مؤلفّات في الشعر والرواية الى متابعات سياسية حيث يعمل في جريدة «الأخبار» اللبنانيه. إصداره الروائي الملحمي الجديد عن الأسير المُحرّر سمير القنطار تحت عنوان «قصتي»، صادر عن «دار الساقي» لاقى احتفاء إعلامياً ومواكبة نقدية نظراًًً إلى شقّيه النضالي (سمير القنطار) والأدبي في معالجة الكاتب الزين. عن «قصّتي» كان هذا الحوار:
[ لماذا اخترت تأليف رواية عن سمير القنطار؟
ـ جذبتني، إضافة إلى الدافع المهني، الصحافي، العناصرُ الدراميّةُ في قصّته. قصّة فتى عربي لبناني في الرابعة عشرة من عمره يهجر مقعد الدراسة ومنزل الأسرة ويلتحق بالمقاومة الفلسطينيّة مندفعاً إلى القتال لتحرير فلسطين، مأخوذاً بصوة الفدائيّين الذين يتسلّلون إلى الأراضي المحتلّة. في المرّة الأولى لا ينجح في الوصول عبر الأردن إلى فلسطين، يُقبض عليه في الأردن ويُسجن لنحو سنة، يعاود الكرّة ويقود مجموعة من الفدائيّين هو أصغرهم سنّاً في عمليّة على نمط الأعمال الفدائيّة الفلسطينيّة والأمميّة في ذاك الزمن، أي التي تسعى إلى مساواة المواطن الفلسطيني والعربي عموماً بالإسرائيلي، من حيث القيمة البشريّة ومن ناحية جعله في دائرة الخطر والاستهداف الحربي الناري. وذريعة هذا الشكل هي الجرائم التي نفّذتها العصابات الصهيونيّة بحق الفلسطينيين الذين شرّدوا من أرضهم، والجرائم التي ترتكبها دولة إسرائيل في فلسطين ولبنان خصوصاً. ومن الساعات الأولى لتلك العمليّة وقع هذا الفتى، سمير القنطار، أسير الآلة الدعائيّة الاستخباريّة الإسرائيليّة، وأًخضِع في الدولة التي يعتبرها عدوّاً له ولأمّته، وهي تعتبره كذلك، لا كفدائي وحسب بل كقاتل طفلة ومدنيّين آخرين. وحُكم عليه بالسجن 542 سنة ونصف سنة. وهذا ليس أمراً عاديّاً، ليس أمراً عاديّاً أن يتحوّل فتى، في دولة عدوّه ومؤسّساته القانونيّة والاستخباريّة والإعلاميّة، «عبداً» يُحمّل قسوة الحرب وعبء الأسر وأيضاً الصورة النمطيّة للشيطان الذي قبض عليه متلبّساً جامحاً إلى قتل الأبرياء والصغار.
إلى هذا، وكي نتابع عرض العناصر الدراميّة الحاذبة لكتابتي سيرته، سمير القنطار أُسر نحو ثلاثين سنة وتنقّل في السجون الإسرائيليّة كلّها تقريباً وعايش الحركة الأسيرة على مدى ثلاثة عقود وتخضرم ونقل تجاربها من جيل إلى جيل. وخلال هذه الفترة، وهي عمر كامل، خَبِرَ إسرائيلَ ومُواطِنها وعسكرها وشرطيها واستخباريها وإعلاميها من الداخل وبتماس مباشر، تواجه مع هؤلاء لا لتحقيق أهداف حياتيّة ومعيشيّة وحسب، على أهمّيتها، بل لتحقيق توازن رعب بين عدوّين. وفوق هذا، سمير القنطار، كما شاء القدر أن يبدأ قصّته على نحو تراجيدي شاء القدر مجدّداً أن يختم فصلاً رئيساً منها على نحو تراجيدي حوله انقسام سياسي وقِيمي، ثقافي وأخلاقي.
حوار مع القنطار
[ ألم تفكّر في أن يُقرن اسمك باسم بطل روايتك، الذي ينقسم حوله الرأي العام؟
ـ دعيني أقل إنني لا أقارب سمير القنطار من خلال الرواية الإسرائيليّة، التي أعتقد أنها أبلسته، ومن خلاله شيطنت الفدائيين عموماً وإن كان بدرجات، لأسباب سياسيّة واستخباريّة إعلاميّة. لقد كانت إسرائيل، قبل عمليّة القنطار ورفاقه بأيّام، توقّع اتفاقيّة كامب ديفيد مع الرئيس المصري السابق أنور السادات، وقد رأت السلطة السياسيّة الاستخباريّة في اللحظة تلك منفعةً في أبلسة الفدائيّين عموماً وسمير القنطار خصوصاً، لجعل الرأي العام الإسرائيلي يحتشد خلف حكومة مناحيم بيغن ومعه السادات، فقدّمته كقاتل الطفلة، عينات هاران، التي أصرّ والدها، الذي أخذه القنطار ورفيقاه رهينة على أن تبقى برفقته. وقد رفض القنطار هذه التهمة، تحت التعذيب القاسي والعنيف حيث مورست معه أساليب الترهيب والترغيب لا للاعتراف بل لجعله يتبنّى قتل الطفلة، ثم رفض ذلك في المحكمة.
في ما يخص انقسام الرأي العام، في أثناء حرب تموز التي قُرنت باسم سمير القنطار، أو هو قُرن بها، فأنا خارجه سياسيّاً وثقافيّاً، وأرى إليه كبعد درامي في سيرة سمير القنطار وكبعد تاريخي في قصة هذا البلد والصراع العربي الإسرائيلي. لقد ألّفت الكتاب من منطلقات مهنيّة صحافيّة وصناعيّة أدبيّة وكتابيّة، لا سياسيّة. وللقارئ أن يجد أنه بعيد كل البعد من الشعارات وغيرها من الأخشاب، إنه عمل درامي وثائقي سعيت أن تتوافر فيه الشروط البنائيّة والسرديّة، وأن يكون حقيقيّاً وممتعاً.
ثم إنَّ سيرة سمير القنطار رواية كما يمكن أن يقرأها من معه ومن ضدّه يمكن أن يكتبها شخص قادر بما لديه من أدوات مهنيّة ومعرفيّة وأدبيّة. فأنا لم أتماثل مع سمير القنطار، بل استطعنا أنا وهو أن نقيم حواراً مثمراً ومسؤولاً. وللأمانة، هو لم يمارس عليّ أي ضغوط أو رقابة، كان متعاوناً وبذل جهداً لتذكّر الأحداث والتواريخ والأشخاص والأماكن، وكان متواضعاً وأميناً وقد حرص على أن يذكر أسماء الأشخاص، لا سيّما الأحياء منهم، ليجعل أي معلومة يرويها خاضعة لامتحان الصدقيّة من خلال هؤلاء.
[ هل الكتاب هو رواية سمير القنطار في مواجهة الرواية الإسرائيليّة عن هذا الفتى الذي كبر في السجون الإسرائيليّة وكان من أكثر الأسرى العرب سجاليّة؟
ـ كلا، الرواية عمل وثائقي لا هدف نضاليّاً أو دعائيّاً لها، والنص يؤكّد ذلك من دون ادعاء أو تقديس، حتى ولو كان سمير القنطار راغباً في نقل تجربته إلى الأجيال العربيّة وتقديم روايته لتوازي الرواية الإسرائيليّة التي أسرته طويلاً. فعلى خطٍّ موازٍ لرواية سمير القنطار قصّته، أنا بذلت جهداً لا في تفريغ الرواية وحسب ولا في بناء المتن الروائي والشخصيّات وحسب، بل في التدقيق بالأحداث والتواريخ والشخصيّات والأماكن والعناصر والتفاصيل الأخرى، وفي فحص ذلك كلّه عبر وثائق وأرشيف وأشخاص وبمنطق السرد وبالعقل.
هنا، أود أن أقول أن لا مصادر ومراجع إسرائيليّة لدي، إلا ما نُشر في الإعلام الإسرائيلي. وفي الوقت الذي يُعد عدم الوصول إلى الأرشيف الإسرائيلي الخاص بسمير القنطار «ثغرة» علميّة، وهي الثغرة ذاتها التي تواجه المؤرّخين الإسرائيليين الذين لا يستطيعون الاطلاع على الأرشيف العربي إذا ما وجد، حاولت تجاوز ذلك تنقيباً وتحرّياً من جهة وعرضاً للأحداث من أبعاد مختلفة وبأصوات عدّة من جهة أخرى.
[يبقى أن الكتاب هو رواية سمير القنطار وهو مصدرها الرئيسي، إلى أي مدى تتبنّى رواية الراوي؟
ـ المسألة ليست تبنّياً أو عدمه، المسألة بالنسبة إليّ روائيّة لا أيديولوجيّة أو دعائيّة. وقد حرصت على تنظيف النص من الشعارات والبطولات ولغة الشعارات توسعة المشهد، قدر الإمكان، ليشمل أشخاصاً آخرين من دون جعلهم ذرائع تخدم سمير القنطار للرفع من شأنه أو تقوّلهم كلاماً غائيّاً أو شعاراً. وقد آزرني سمير القنطار في ذلك ودفعني، وكان متعاوناً إلى أقصى الحدود ولم يتدخّل في الجانب المهني والأدبي، وإنما كان متذوّقاً. وفي الجانب المعلوماتي كان شاهداً لا رقيباً.
وقبل هذا وقبل أن أشرع في العمل، لا أنفي أنني واجهت سؤال الصدقيّة والمصدر، ولم يكن أمامي إلا مواجهة سمير به، وهو كان متفهّماً هواجسي المعرفيّة والعمليّة والأخلاقيّة. وأوّل مسألة وقفت عندها هي موت الطفلة، عينات هاران. ولم أكتفِ بتأكيد سمير لي أنه لم يقتلها وأنه قاوم تلك التهمة لكونها ليست حقيقة ولكونها قاسيّة عليه نفسيّاً وأخلاقيّاً، بالرغم من احترامي لما يقوله. بل أحالني إلى كتابات إسرائيليّة تدعم روايته، وأهم تلك الكتابات بقلم ضابط الاستخبارات تسيفكا سيلع الذي أعدّ بحثاً وصرّح في الإعلام الإسرائيلي أنّه يصدّق سمير القنطار. وبصراحة، لو لم يؤكّد لي سمير ذلك ولم يتوافر لي ما يصدّقه لما كنت كتبت الرواية. صدقاً، كان هذا الأمر، انطلاقاً من قيمي وحرصي على استقلاليّة عملي، أوّل عائق بيني وبين تأليف الكتاب. علماً أنني لا أؤمن بصحّة إسقاط قيمي على ذاك الفتى الفدائي سمير القنطار، وبالمقدار نفسه، لا أقبل على نفسي أن أكون متلقّياً أعمى لما تبثّه أي وسيلة إعلاميّة أو استخباريّة. من هذا الاعتبار، استنفرت نفسي لا للدفاع عن سمير القنطار أو ترويج روايته، بل للبحث عن الحقيقة، ولا أجزم ما إذا كنت وُفّقت إليها. ما يهمّني هو أنّني في الكتاب عرضت الرواية الإسرائيليّة ورواية سمير القنطار، التي مُنع من الإدلاء بها لثلاثين عاماً. وأعتقد أنه من المنطقي والعلمي والأخلاقي أن ننصت إليها وإليه. وهنا أسأل: لماذا سكتت إسرائيل عن روايتها تلك؟ ولا أجد حرجاً في أن تنشر إسرائيل ما لديها من ملفّات في شأن القضيّة، فهذا مفيد، وأحسب أن سمير القنطار مستعدٌ حرّاً لمواجهته. فإذا كان الأمر معركة نضاليّة بالنسبة إليه فهو أمر معرفي بالنسبة إلي.
وأسأل أيضاً، منطقيّاً ومن منطلقات روائيّة، لِمَ رفض تلك التهمة، فذلك لا يقدّم أو يؤخّر لجهة العذاب والعقاب، ومن يعرف شخصيّة سمير القنطار يدرك، أو يؤمن، أنه كان ليعترف لو كان هو الفاعل، وهو في الأساس اعترف بقتله والدها بعدما أيقن استحالة نجاته والعودة إلى لبنان؟ إضافة إلى هذا ينتمي سمير القنطار، آنذاك، كما نعلم جميعاً، إلى ثقافة لا تميّز كثيراً بين الإسرائيليين الذين ترى أيديولوجيّة القنطار أنهم جاؤوا من بلدانهم البعيدة واحتلّوا فلسطين. آنذاك كان يعتبر القنطار ورفاقه الفدائيّين أن الحديث عن حقوق الإنسان والتمييز بين المدني والعسكري الإسرائليين ترف بل خداع وتضليل.
أين الكاتب؟
[ أين حسان الزين وأين سمير القنطار في الكتاب؟
ـ سمير القنطار هو الشخصيّة الرئيسيّة في الرواية، وبالرغم من هذا هو ليس الوحيد ولم يحوّل ذلك الرواية لتقتصر على قصّته ويوميّاته، بل غالباً ما تحوّل مغناطيساً لأحداث ومجاوراً لأشخاص آخرين. وسمير القنطار الشخص الحقيقي، شريكي في العمل، ارتضى من اللقاء الأوّل في ورشة العمل على الكتاب أن يكون شبّاكاً نطل من خلاله على السجون الإسرائيليّة ومن فيها وما فيها، وعلى الحركة الأسيرة وتاريخها ونضالاتها. وقد كان محرجاً من الدور الذي أردته له كراوٍ بصوته قصّته، وكان قلقاً خَجِلاً من أن يبدو ممجِّداً لنفسه وبطلاً أسطوريّاً، ولكن لجاذبيّة الأمر عند القارئ ونظراً لكونه هو حقّاً الراوي وافق على هذه الصيغة، وإلا لكنت سأضطر إلى اعتماد صيغ أخرى. أما حسّان الزين فهو الكاتب والباحث. الكتاب مساحة لقاء تحاورنا أنا وسمير القنطار في رسمها ولم نبحث كثيراً عن طريقة تعبيرنا ومفرداتنا، فسمير القنطار سرد لي قصّته وتركني أكتب، ثم كتبت وتركته يدقّق ويشهد. لم يتعبني في إقناعه بالكتابة عن هذا الأمر أو ذاك الشخص، كان شفّافاً وعفويّاً. لم أشعر بأنه سلطة بقدر ما كنت أتفاعل معه كبطل روايتي حريص على أن تكون أفعاله وأقواله منسجمة مع حياته وشحصيّته. فأنا لم أنسَ أنني أكتب عن شخص موجود، حقيقي، وعليّ أن أقدّمه كما هو لا كما أريد. منحته لغتي ورؤيتي الكتابيّة ومنحني شخصيّته وقصّته.
يؤكّد كلامُك، والكتابُ، أنك سرت خلال الإعداد والكتابة في رحلة بحث وتعارف إلى السجون الإسرائيليّة والحركة الأسيرة وليس إلى حياة سمير القنطار وحسب؟
ـ بالضبط، الكتاب ليس حكاية ضيّقة لشخص في زنزانة. أدّعي أنني دخلت تلك السجون وتعرّفت إلى أسرى ورأيتهم كيف يعيشون وكيف يناضلون من أجل تحسين شروط الحياة. والأهم من هذا أنني لم آسر هؤلاء في صورة نمطيّة ولغة إنشائيّة بل دعوتهم إلى مساحة روائيّة، وكذلك الأمر مع السجّان، فهذا في الكتاب شخص له أفعال وردود أفعال وأقوال ومواقف تتفاوت من واحد إلى آخر ومن مقام إلى آخر. أدعي أيضاً أن الكتاب لم ينزلق إلى العداء للساميّة والعنصريّة. وهو محاولة للتوثيق لما يحصل في تلك المساحة التي تلتقي فيها عدوّين يتصارعان.
[ كأن ثمّة علاقة أسلوبيّة بين كتابيك السابقين، لا سيّما الثاني، «تلفزيون جميل»، وكتابك الجديد؟
ـ لا أشعر بأنه يشبههما، بل إنه يختلف عنهما، وهما أصلاً مختلفان. أحسب أنّهما درجتان أفضتا إلى هذا الكتاب، والأوّل منهما أفضى إلى الثاني. أقنع نفسي بأنني أرتقي بنفسي وأعي عملي وأطوّر حساسيتي الإنتاجيّة وتقنيّاتها.
[ لا أقصد أن تلك الأعمال متشابهة بل يجمعها أسلوب توثيقي.
ـ أتقصدين أن الكتابة الوثائقيّة قدري أو نزعتي. لعل هذا صحيح. أحب ذلك، يغريني ويرضي اهتماماتي. وربّما يلاقي عملي في الصحافة وفي الكتابة الروائيّة وشغفي بالتاريخ والناس. وأنا ذاهب الآن إلى عمل وثائقي درامي آخر، ويقوم على شخص وتاريخ مجتمعه وبلده. نعم، هناك علاقة في هذا المعنى الأسلوبي بين هذه الأعمال، لكن كل منها يمارس ذلك على طريقته. الأوّل، «الرفيق علي» (2003) نص أدبي وصحافي حرّ وبالرغم من أن بعض محرّكاته وهواجسي أثناء كتابته كانت وثائقية إلا أنّه لم يكترث كثيراً بتحقيق ذلك، ولا أنا اهتممت بهذا البعد. الثاني، «تلفزيون جميل» (2008)، نص تجريبي يحوّل الوثائقيّة مشاهد بصريّة ويخفي مراجعها ومصادرها.
[ ثمّة خيط آخر يربط كتاباتك، بقدر ما أخذك كتابك الماضي إلى التلفزيون، بقدر ما تستدعي في كتابك الجديد التلفزيون أو الفنون البصريّة؟
ـ لا أعتقد أنه يمكنني التحرّر من البصري والمشهدي، أحب هذا، أحب كتابة العين وأسعى لتحقيق قراءة تجعل العين ترى ما تقرأه مشاهد. شعورك صحيح وليس متولّداً من كون عالم الكتاب الماضي هو التلفزيون فحسب بل من المشهديّة والتقنيّات الفنيّة البصريّة التي تصوغ عبارتي وتؤلّف نصّي.