"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة السفير - العدد 11800: لا يلعب ولكن يتلاعب بنفسه أولاً - صباح زوين

date: 
Fri, 01/28/2011

«ما زلت حتى اليوم أعمل كمن يلعب. مثل كل القلقين أسرق متعتي. أسرق كثيراً وكل يوم ولا أعرف إلى متى يدوم ذلك. أستطيع أن أعمل عملين لكي لا أكون في أحدهما». هل تختصر هذه الجملة كتابَ عباس بيضون الجديد «مرايا فرانكنشتاين» الصادر عن دار الساقي، وهل صورة الشاعر أو مرآته تكتمل عبر هذه الجملة التي أخذتها من إحدى صفحاته، في حين أن الصفحات كلها تفيض بجُمل ٍ لافتة ومهمة كهذه؟! فالشاعر بيضون لا يلعب كما نحب أن نراه وكما يحب هو أن يدّعي. لا يلعب إنما يتلاعب. يتلاعب على نفسه قبل كل شيء. إنه يلهي نفسه عن القلق والفراغ من خلال اللعب أو الأحرى من خلال التظاهر به. ألم يقل في مكان آخر «عليّ وحدي أن أصارع هذا اللاشيء الذي لا رأس له ولا ذنب، والذي يتجدد بلا انقطاع»؟ مَن لم يعرف عباس حتى اليوم، عرفه في كتابه الصادق والصريح. هل الكتاب بمثابة «فضيحة» كما أحبَ أن يقول مازحاً عبر كلام شفهي في إحدى المرات؟ لست أكيدة من كلمة «فضيحة» التي لا أراها مناسبة هنا، لكن هذا العمل حتماً يفضح (من دون أي فضيحة) دواخل شاعر وإنسان جلّ ما أرانا إياه حتى يومنا هذا، هو ظاهره الملوّن واللاهي وشبه الاجتماعي واللائق (ضمن مزاجيته الخاصة ولا أتكلم على اللياقة الاجتماعية البروتوكولية)، ظاهره الطريف والمزاجي ـ الطائش! لكن حقيقة عباس بيضون تكمن في مكان آخر، في صفحات هذا الكتاب الذي أراده الشاعر مرآة له، حقيقة أراد إعلانها في حقبة معينة من حياته حيث رأى ضرورة الكشف عن الذات والأقنعة (أعني الأقنعة الملتبسة والبريئة التي يكون هو بحاجة إليها إلى حين). لكن أليس عنوان الكتاب بذاته تفسيراً وافياً وكافياً لما أسلفتُه، أي لما عناه وأحبّ هو أن يدوّنه؟ ألم يتناول عباس بيضون في مؤلفه ثيمات عدة ومتنوعة عبر مرايا الشخصية التاريخية الذي ربما أراد شاعرنا أن يتشبه بها؟! ألم تتناول رواية فرانكنشتاين الأصلية مواضيع عديدة كلها تمثل خلاصة الإنسان في هذه الحياة، ومن تلك المواضيع: الظلام والنور، العلم والجهل، المظاهر والوحدة، الظلم والوعي إلخ؟!
ففي كتاب عباس نقع على فصول عدة حيث ثيمات كثيرة ومتنوعة، وحيث جميعها تتكلم على تجربة إنسانية غنية فيها من البراءة بقدرما فيها من الوعي، وفيها من العذاب النفسي الداخلي بقدر ما فيها من بهجة اكتشافات لعوالم غير عالم الكاتب الأصلي، وفيها من الطرافة بقدر ما فيها من الخوف والارتباك، وفيها من النقد الذاتي بقدر ما فيها من حب المعرفة ورغبة التعلم وإلى ما هنالك.
هل هو إذاً كتاب فاضحٌ أم فضائحي؟ صاحب الكتاب قد يشعر بعد نشره على الملأ، قد يشعر بشيء من الفضائحية كونه عرّى ذاته من دون مواربة، من دون تردد ولا حذر. والتعرية العلنية للذات ليست بالأمر السهل وهي تتطلب صدقاً هائلاً أولاً مع الذات وثانياً مع القارئ. وإضافة إلى جرأة هذا الصدق، يحتاج الكاتب إلى براءة مبدعة، تلك التي يتسلح بها بغية بلوغ هذا الكم من التوغل في عمق الذات من دون الخوف من العري والتعري. إنه كتاب فاضح وليس فضائحياً، فاضحُ الضعف البشري الذي غالباً ما يكون محمياً بقشور ابتسامات وبهلوانات فقط للتواري من خلالها إلى أعماق أكثر قتامة وأكثر نوراً في آن. أوليست تلك القشور التي سرعان ما تكشف عن ركاكتها من خلال صراعها الدائم مع الدواخل الصريحة والأصيلة، أليست هي التي جعلت الشاعر بيضون يتميز بما أسماه ونسميه بالفرنسية الـ«مالادريس»؟! إنه «مالادروا»، هكذا وصف نفسه، هو الإنسان الذي يخجل وبسبب خجله يسيء التصرف، وبالفرنسية الكلمة الأدق التي أصرّ عليها بيضون، هي «مالادريس». هذه الأخيرة هي القناع وكاشف القناع، هي ما ينزع القشور عن الإنسان المتمدن عند أول مناسبة تتاح له، مناسبة فضح طبيعة الداخل ورفع الغشاء عما هو أصلي في طباع الشخص. في فصل الـ«مالادريس» هذا، لا يضحكنا فحسب عباس بيضون، إنما يضعنا أمام تساؤلات كثيرة، أمام أفكار تضرب في العمق، فلا يتيح لنا الكاتب بأي فسحة من القراءة المسلية.
التفلسف
إنه سرد جميل وممتع لكنه أيضاً سرد يميل دائماً نحو الفلسفة. يدهشني بيضون بهذه القدرة التي لديه في فلسفة الشاردة والواردة. طبعاً نعرفه مفكراً لامعاً ومثقفاً غنياً، لكن الدهشة عندي تأتي من هذه القوة «التفكيرية» التي رافقته منذ صغره. ألم يقلها في أحد فصول الكتاب؟ ألم يخبرنا أنه منذ طفولته فوجئ هو ذاته بهذه الطاقة التي لديه على تفسير وتعميق كل ما يراه أو يخطر في باله؟ وهذا النمط من التعايش مع القلق والفلسفة اليومية رافقه على مدى صفحات الكتاب، ما كان يجعلني أقف مندهشة أمام كل هذا «التشريح» لما يراه ويحوطه. غريب كتاب بيضون ولا تنتهي غرابته هنا فحسب.
فالكتاب المفترض أن يكون سيرة ذاتية كما تبدو منذ اللحظة الأولى حتى الكلمة الأخيرة منه، هذا الكتاب لا يمكنني أن أضعه في هذه الخانة. إنه حكاية حياة، هذا صحيح، لكنه أيضاً وقبل كل شيء فصول في الفكر. وكأني بعباس ينفصل تمام الانفصال عن ذاته التي مع ذلك عراها أيما تعرية، ينفصل إذاً عن أناه ليقدم لنا مجموعة «قصص قصيرة» (إذا جاز هذا التعبير) فيها من الغرابة بقدر ما فيها من الفلسفة. إنه ينظر إلى العالم ويفكر، يتساءل، ينتقد الآخر، ينتقد الغرب، ينتقد الذات، وبالمناسبة هذه ظاهرة شبه نادرة في الأدب أو الفكر العربي، إنه يتكلم عن هفواته وأخطائه من دون خجل هو الذي كم من المشقة قد يكون صادف أثناء الكتابة التي أرادها مرآة له وفي الوقت ذاته ربما أرادها صورة تعكس «فرانكنشتاينيته»، لتصبح شخصه المعكوس من دون أن يكون هو تماماً. أراد أن يكون مرآة ذاته لكنه أراد هذه الذات المتعددة مكشوفة في كل أعماقها ودهاليزها وتفكيرها وفلسفتها ومخاوفها. أوليس تحديداً فرانكنشتاين الأصلي اختراعاً بشرياً؟! في هذا المعنى ألم يخترع عباس بيضون بعضاً من ذاته؟! لو أخذنا مثلاً الفصل الذي يتكلم فيه على صوته ولكنته حيث يقول إنه دأب على جعلهما شيئاً لا يشبه أي شيء آخر عند سواه من الناس؟ ألم يرعبه هذا الأمر بشكل فظيع وليس من مجاز هنا إطلاقاً. الأمر أرعبه قبل أن يرعبنا لدى القراءة عندما قال «ما ضايقني هو انفرادي بهما، بهذا الانفراد كنت بلا شبه، كنت الخارج والناتئ والمعلم والمكشوف، أي ما يكونه المجنون والقزم ووحمة الوجه والإصبع السادسة. وكان عليّ أن أتحمل وجودي كله وأن أكون مستقبل نفسي وإلهها. لقد كنت في الواقع فرانكنشتاين نفسي ورعبها الخاص». ألم يخترع لنفسه من جهة أخرى، وأيضاً وأيضاً من جملة ما ابتكره لشخصيته التي نعرفها، مذاقه للألوان في الفصل المتعلق بغوغان؟ ألم تكن ألوانه المبدئية تقتصر فقط على الأبيض والأسود؟!
لا مجال للشك في أن شخصية هذا الكتاب، شخصية فريدة إلى حد الغرابة. لا شك في أن بيضون لا يشبه أحداً، وهو وحده تليق به هذه العبارة. ولا شك في أن عباس شخصية متميزة في السلوك كما في الفكر والكتابة. وجرأته على اختراق الأقنعة هي ما نضيفه إلى هذا التمايز.
فما يقوله الكاتب في هذه السيرة، وكما أسلفت فهي شبه سيرة أو ما يعادلها من دون أن تكون كذا مئة في المئة لأنها خاصة ونافرة في صدقها الجارح والمخيف، ما يقوله إذاً كلاماً هائلاً، ومن خلاله، ورغم صراحته، لم يبح بأسراره، رتيب وعادي. ما قام به عباس بالأحرى، هو وضع مسافة بين الذات الكاشفة والذات الكاتبة. كان للكتابة حيّز كبير في صناعة هذا الكتاب، أي كان لتفكير الوجود مكان تقاسمَه مع البوح الحميم.
أفكار وأفكار بديعة تملأ الصفحات والفصول، فكل شيء يؤرق عباس وكل شيء يتحول في رأسه الى مادة تفكير يفكرّها ويعصرها ويحوّلها كلمات وعبارات تزيغ أعيننا. فلنتذكر مثلاً كلامه عن النوم والأرق «التمدد لا يخيف النوم فأنا أتمدد غالباً وليس للرقاد وحده... التلفزيون مشغّل وأنا فقط أتفرج. ليس لدى النوم ما يخشاه إذاً... في أخريات العتمة أستيقظ وحدي لأتابع تفكيري بالموت. أشعر بالموت قريباً... كان الموت موجوداً لكن العمر لم يبدأ بعد. الموت موجود لكن ليس أمامه ما يفعله... الأرق يؤاخي السهر لكنه لا يكونه. يحاكي النوم لكن لا يصيره».
أفكار وأفكار تفيض في الكتاب وكلها من النوع الذي لم نقرأه من قبل، كلها آتية من منطقة خام، كأن دائماً يعمل الكاتب على التفكير من فرادته وخصوصيته. وها نحن أمام فلسفته، من جملة أفكاره، حول الحنين «الحنين الذي قد يكون الاسم الفني لنضوب الدم والتأخر التدريجي والعجز عن الفهم». أما في الفصل تحت عنوان «آلة لنزع الأوهام»، فالكاتب نموذج فكري فريد مرة أخرى في طريقة تناوله الثيمة التي رغم تداولها كثيراًعلى ألسنة وأقلام منذ قرون، نراه يتميز في رسم الصورة الجديدة لفكرة رافقت البشرية منذ وجوده عندما يقول «صرت وإلهي اثنين ثم فقدته. وأنا آكل وأشرب، ألطخ مثلهم وجه إلهي بالطماطم والنبيذ. إنه استعراض فحسب، نوع من التهريج». ما يلفت دائماً في هذه الكتابة لدى بيضون، أنه يأتينا بالجديد من دون انقطاع. في هذا الموضوع مثلاً، لم يقم باستعراض هزلي وتافه كما قد يفعل آخرون، فلم يعرض عضلاته في وجه الإله، بل باح بأنه قلد الأكبر منه سناً وبأنه أصبح في ما بعد «اثنان مع الإله»، وبأن العملية كلها ليست أكثر من تهريج. وعمق تفكيره يوصله إلى ما يقارب الجرح والهول في طريقة استثنائية لم تطأها قدمٌ بعد عندما يقول وكأنه يذكرنا، بأن الحقيقة المرة تكمن هنا تماماً، حين رأى الحقيقة القاتلة التي جعلته يذهب إلى أبعد ما يمكن في الرعب والتعري البشريين «جدفنا بدون مقابل، في الواقع كنا أكثر حرماناً من فلاح بسيط. تركنا بالتدريج كل ما يملأ به الآخرون حياتهم...»!
كتاب الواقع الفج بامتياز، كتاب التعرية البشرية من دون تردد، كتاب البوح من دون حنينيّات باهتة، كتاب تشريح الذات من دون أقنعة ملطفة، كتاب الذات عن ذات تضع مسافة بين الذكرى الحميمة والفكرة الفلسفية، من دون جفاف وتفلسف فارغ وثقيل الدم، وفي الوقت ذاته من دون غنائية عاطفية بلا لون. إنه كتاب الرؤية الثاقبة في حياة إنسان عاش ويعيش الحياة من عمقها الغني والمخيف في آن.