"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "الحياة": الأشقر يرصد التباين العربي حول النازية والصهيونية - سمير جريس

date: 
Mon, 06/07/2010

هناك حالة سأم بين كثيرين من العرب عندما يسمعون أحداً يتحدث عن المحرقة النازية، معتبرين ذلك انسياقاًً وراء الدعاية الصهيونية التي تضخم هذا الحدث التاريخي وتستخدمه لتثبيت شرعية وجود إسرائيل. يستهجن بعضهم ذلك بعد مرور أكثر من ستين سنةً على هذه الجريمة الفظيعة، ويقولون: هذا حدث في الماضي، دعونا ننظر إلى الحاضر، إلى جرائم إسرائيل العديدة التي لن يكون آخرها اقتحام مراكب «أسطول الحرية» وقتل وإصابة العشرات من المدنيين الذين اقترفوا جريمة مساندة الفلسطينيين في غزة. غير أن هذه الجرائم تحديداً لا بد أن تجعلنا نتأمل في التاريخ، لنتعلم أن دروس الماضي التي يمر بها الإنسان، مهما كانت أليمة، لا تعصمه من ارتكاب الأخطاء ولا تمنحه «حصانة أخلاقية» من أي نوع.

هذا ما تؤكده أيضاً الدراسة الموضوعية والرصينة التي كتبها جلبير الأشقر، الباحث اللبناني الأصل في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، والتي صدرت طبعتها الفرنسية عن دار «أكت سود»، وصدرت حديثاً ترجمتها العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة ودار الساقي البيروتية بعنوان «العرب والمحرقة النازية – حرب المرويات العربية الإسرائيلية». وتعتبر هذه الدراسة أول دراسة شاملة يقوم بها مؤرخ عربي لتوضيح علاقة العرب – على اختلافهم وعلى مر العقود – بالمحرقة.

«العرب غير موجودين»، هكذا يقول جلبير الأشقر في مستهل كتابه، «غير موجودين كذات سياسية أو أيديولوجية متجانسة». على رغم ذلك هناك دراسات عديدة تتحدث عن «العرب»، مثلما تتحدث عن «المسلمين» و «اليهود»، وهو أمر خاطئ ومضلل. ولذلك يسعى الأشقر إلى توضيح تباين مواقف «العرب» من النازية والصهيونية، ويحاول تجاوز ما يسميه بـ «الصيغ الكاريكاتورية» وتصحيح الصور النمطية التي تحيط بهذا الموضوع، ومنها مثلاً اتهام العرب بالتورط المباشر مع النازية، وبالتالي المشاركة في المحرقة. ويستند من يقولون بذلك إلى علاقة مفتي القدس آنذاك، أمين الحسيني، بقادة النازية وعلى رأسهم أدولف هتلر. ويسهب المؤلف بالفعل في وصف أوجه التعاون والتواطؤ المشين بين «المفتي الأكبر» وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشستية خلال الحرب العالمية الثانية، غير أنه يؤكد أن هذا الدور كان محدود التأثير، بل لقد أُدين حتى آنذاك. ولذلك لا بد من وضع المفتي في سياقه التاريخي، والنظر إلى حجم دوره الفعلي. ولهذا يعجب المرء بشدة عندما يقرأ في دراسة الأشقر أن موسوعة الهولوكوست التي أصدرها متحف «ياد فاشيم» في إسرائيل تخصص لمفتي القدس ثاني أطول مقالة بعد هتلر، بل إن أحد أهداف محاكمة أيخمان في القدس كانت في إظهار المفتي متورطاً تورطاً مباشراً في المحرقة، وهو ما فشلت إسرائيل في إثباته.

وإذا كانت أوروبا قد عرفت تاريخاً طويلاً من معاداة السامية فإن الوضع مختلف بالنسبة للعالم العربي. «معاداة اليهود»، يؤكد الأشقر، لم تكن قائمة في المنطقة العربية قبل مشكلة فلسطين، فمن المعروف أن وضع اليهود في العالم الإسلامي في شكل عام كان أفضل بكثير منه في العالم المسيحي. ويشدد الأشقر على أن تقليد اللاسامية هو بالأساس تقليد غربي. أما انتقال بعض أشكال اللاسامية إلى المنطقة العربية فمرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية فلسطين وسلوكيات دولة إسرائيل.

ويبين كتاب الأشقر أن كثيرين تعاطفوا في العالم العربي مع النظام النازي من منطلق أن عدو عدوي هو صديقي، وهو منطق أعوج دفع بالبعض إلى الظن بأن التحالف مع الألمان سيحرر العرب من الإنكليز والفرنسيين. غير أن المؤلف ينفي انتشار الأفكار النازية في العالم العربي، ويرى أن غالبية الرأي العام العربي لم تكن مع هذا أو ذاك، بل كانت ترى أن الصراع يحدث بين قوى غربية تريد أن تتقاسم العالم، ولا يتمنى العربي من هذا الصراع سوى استقلال منطقته.

بالطبع هناك من ينكر المحرقة ويشكك في حدوثها وينظر إليها على أنها «أسطورة» استخدمت لتأسس دولة إسرائيل، وهذا ما يجعل أشخاصاً مثل روجيه غارودي أو دافيد إيرفينغ أو أحمدي نجاد أبطالاً في عيون كثيرين. غير أن مَن يفعل ذلك يتجاهل الواقع والوقائع. ويقدم الأشقر تفسيرات مقنعة لانجراف كثيرين في العالم وراء بعض أشكال معاداة السامية أو إلى إنكار المحرقة. غير أنه هنا أيضاً يفرق بين مختلف المواقف عبر العقود الماضية منذ تأسيس إسرائيل وحتى اليوم. ويشير الأشقر هنا إلى أن مفتي القدس نفسه، أمين الحسيني، يعترف بالمحرقة في مذكراته عندما روى ما حدث خلال لقائه بقائد سلاح الإس إس، هاينريش هيملر، في صيف 43، ويستشهد الحسيني في مذكراته بقول هيملر بأنه تم إبادة 3 ملايين يهودي حتى تلك السنة.

ما يدفع كثيرين اليوم إلى إنكار المحرقة، أو التشكيك في عدد ضحاياها يرجع بالأحرى إلى استخدام الاسرائيليين المحرقة كذريعة وحجة مفحمة في الصراع العربي الإسرائيلي، بل ويصل استخدامها إلى الحد الذي دفع بزعيم المؤرخين الجدد، بني موريس، إلى تبرير ما تمارسه إسرائيل من «تطهير عرقي» تجاه الفلسطينيين: «هناك ظروف في التاريخ تبرر التطهير العرقي»، يقول موريس في حديث صحافي أدلى به عام 2004 لصحيفة «هاآرتس»، «عندما يكون عليك الاختيار بين التطهير العرقي والإبادة – إبادة شعبك أنت – فإنني أفضل التطهير العرقي». وهكذا يجعل بني موريس تأسيس إسرائيل عام 1948 اختياراً بين طرد الفلسطينيين من إسرائيل (أو تطهيرهم عرقياً) وبين محرقة جديدة تبيد الإسرائيليين. لا يحتكر بني موريس دور الضحية فحسب، بل يتحسر على أن بن غوريون لم يطرد الفلسطينيين كافة لدى تأسيس الدولة، لأنه لو كان فعل ذلك لتحقق الاستقرار لإسرائيل «جيلاً بعد جيل». هذا ما يقوله أحد أبناء الناجين من الهولوكوست. أما مناحم بيغين – الذي رأس في شبابه منظمة «أراغون» الإرهابية – فقد قال بكل وضوح: «إن المجتمع الدولي فقدَ حقه في مساءلة إسرائيل بعد المحرقة!»، أي أن المحرقة تعطي إسرائيل صكاً على بياض لتفعل ما يحلو لها من دون مساءلة. كلا، المحرقة لا تمنح أحداً «حصانة أخلاقية»، هذا ما تبينه أيضاً «صناعة الهولوكوست» مثلما وصفها في كتابه الباحث الأمريكي نورمان فينكلشتاين، ابن أحد الناجين من المحرقة. فهل نستغرب عندما يثور البعض على هذا المنطق ويحاول قلبه رأساً على عقب بأن ينكر وقوع هذا الحدث الأليم أو يناقش أرقام الضحايا؟ ليس هذا تبريراً لموقف المنكرين، فجلبير الأشقر يوضح بجلاء تام كيف أن هذه المواقف تضر في نهاية الأمر بالقضية الفلسطينية، بل تقدم خدمة جليلة لإسرائيل، مثلما قال عزمي بشارة ذات مرة: «إن إنكار الهولوكوست ... يمنح كلاً من أوروبا اليمينية وإسرائيل عدواً مريحاً». لذلك أحسن القادة الفلسطينيون صنعاً عندما قالوا في بيان ألقاه الراحل محمود درويش في الذكرى الخمسين للنكبة عام 1998: «إذا كان من واجبنا الأخلاقي أن نقبل الرواية اليهودية عن الهولوكوست كما هي، من دون التدخل في النقاش حول الجانب الإحصائي للجريمة... فإن من حقنا أن نطالب أبناء الضحايا بالاعتراف بمكانة الضحايا الفلسطينيين وبحقهم في الحياة والاستقلال».

ويشير الأشقر في نهاية كتابه إلى قضية مهمة، ألا وهي «حب السامية» المنتشر في بعض البلدان الأوروبية. هذا الحب الجارف يرجعه الأشقر إلى شعور أوروبا – عن حق – بتأنيب الضمير تجاه اليهود، ما يدفع البعض إلى ممارسة هذا الحب العاطفي والحماسي، الحب الذي لا يبالي بأي شكل من أشكال الرؤية النقدية. غير أن «حب السامية» هو الوجه الآخر لـ «معاداة السامية»، فكلاهما يعبّر عن عجز نفسي يمنع من احترام «الآخر»، فاليهود يظلون غرباء بالنسبة لمحبي السامية والمعادين لها على حد سواء، مثلما كتبت ذات مرة الألمانية إليونوره شترلينغ في صحيفة «دي تسايت».

يتحدث كثر في العالم العربي عن المحرقة وعن النازية ويشبهون بعض قادة إسرائيل بقادة النازية. يفعلون ذلك من دون أن تكون لديهم معلومات موضوعية كافية عن تلك الفترة التاريخية أو عن المحرقة. وهذه – تحديداً - هي الفجوة التي يسدها كتاب جلبير الأشقر الشامل عن العلاقة المعقدة بين العرب، على تنوعهم، والمحرقة النازية.