"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة الأخبار - العدد 1434: "وثيقة ولادة"

date: 
Tue, 06/14/2011

«أريد أن أولد يا أمي...» كان يمكن أن يكون عنواناً آخر لكتاب عقل العويط الجديد «وثيقة ولادة».
أكثرهم رومانتيكيّة بين أبناء جيله، عبارته تَخْلج في النفس الحنين، ومناخه فائح باللوعة. اللون هنا هو بين الأزرق الغامق والأبيض الغامق.
أراجيح على هوى الأسى وعَزْف كمنجات الغصّة، تارةً فوق رثاء النفس وطوراً تحت الانسحار بها. لواعجُ ما يُرى وما لا يُرى.
يمتاز عقل العويط بفائض العاطفة، ولا سيما عاطفة الحبّ، وكتابته نهرٌ سيّال. الكلمة آهة أو احتضان، والصراخ صلاة أو حيلةُ مرعوب من الضياع.
كان هذا البوح سيكسب بالإيجاز والعَصْر، يسعفه فالتكرار والدوران على الذات لا يسعفان إلّا حيث الحكّ الذاتي إمعانٌ في إضرام الحرائق. وما سوى ذلك يرهق الصورة والمعنى. وليت الشاعر يقلّل من صيغة قول الشيء وعكسه وما بينهما، فالحسم أفضل، ولو على خطأ. الشعر تورُّطٌ، وأسمى علاقاته بالبحر هي الغرق.
يواصل عقل العويط الكتابة بعواطفه وأحلامه وسط مساحاتٍ أدبيّة تكثر فيها الكتب «الشعريّة» المتصحّرة. شعره موسم دفء، لو عادل فيه التكثيفُ الإلهامَ لفاق بلّورُهُ سائر أحجاره. الشعر الذي ينتمي إلى الحبّ لا يحتاج إلى الخطاب الغزير وإنّما إلى النظرات البليغة. والنظرة البليغة كتابيّاً هي كالنظرة البليغة عَينيّاً، تقول بالصمت أكثر ممّا يقال بأيّ لغة. والصمت الكتابي ليس عدم الكتابة، ولا البياض، ولا القصيدة القصيرة، بل هو الجملة التي لا تُتْخِم.
بين العجز الملّارمياني المتحذلق والخصب الثرثار (معظم شعرنا العربي، قديمه وجديده، ثرثار) هناك صفحات الوهج الشعري، وهي تحتاج إلى دليلٍ لنعثر عليها ولا تحتاج إلى برهان بعد أن يقع عليها البصر.
لدى عقل العويط عدّة نفسيّة ومزاجيّة لهذا التوهُّج، وهو ممّن يمتلكون تلك الموهبة «المَوْجيّة» الرقراقة، إحساساً ورؤية، وكلّما كثّف وجَزَّ وَوَقَف، ألبسَ روحه صوتها وأوجد بين صوته وصداه تجانسهما الهنيء.