"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


رواية «حوض السلاحف» للبنانية رولا الحسين: الأفق المعلّق ومغادرة النمط

date: 
Wed, 04/04/2018
في رواية «حوض السلاحف» للروائية رولا الحسين من منشورات دار الساقي 2018 محاولة سردية تستند على إدراك عميق للفعل السردي بوصفه عملية تأمل في فعل الكتابة، وتشكيل رؤيوي للعلاقة بين المحمولات الدلالية والبنية السردية ضمن صيغة جدلية إلى حد ما، ومع أن العمل الذي جاء ثمرة مشروع الصندوق العربي للثقافة والفنون بعنوان «برنامج آفاق الرواية العربية»، لا يشرع لافتة التجريب، ولا يكاد يقترب من حدود هذا التصور في التسنين الكتابي المدرك، غير أن ثمة محاولة لحرف السرد نحو غاية كامنة في الوعي المقصدي الذي ترتضيه الكاتبة، والتي تجعل من روايتها عالما سرديا، ولكن مع أكبر قدر من المساحة التفسيرية التي تتحدد بالمكان، بالإضافة إلى قدر معاين من الزمن التأملي في حدود شخصيات مبتورة التكوين ضمن مقصدية واضحة، فالشخصيات لا مكتملة إلا بامتداد المكان الضيق، والزمن المحدود، وبهذا فإن هذا التكوين الثلاثي للعناصر الثلاثة يتخذ صيغة أقرب إلى نموذج فلسفي يحاول استقراء هذا المجال من زواية واحدة، ولكن لا يمكن لنا أن نطمئن إلى ذلك، فثمة وجهات نظر يمكن أن تحيل النص إلى سياق تأويلي غاية في السعة، والانفتاح. 
تتخلص الرواية في تكوينها البنيوي من الإحالات للعالم الخارجي من ناحية التصريح، بحيث لا تحيل إليه، ولكنها مع ذلك لا تقطع صلتها به، بل ثمة خيط رفيع من الاتصال بمرجعية النص للشخصية الرئيسة التي لا نعلم الكثير عن مرجعياتها، ولا حدود عالمها، وذلك ما قبل تكون وعيها في سجن، أو مركز احتجاز، أو توقيف لزمن محدود من الساعات، في حين تبقى تداعيات الفعل محجوبة عن المتلقي، كما هي أسباب هذا الموقف، فليس ثمة حاجة بنا إلى معرفة أسباب الاحتجاز، أو ملابساته، كما لا يهم ما يتمخض عن هذا الموقف، أو الفضاء الحاضن لهذا الفعل الحكائي. إن الأهمية القصوى تتأتى من قراءة الوعي في المحدود من الزمن، والقليل من المكان، وهنا تبرز فضاءات الإنسان في كيفية تحديده مساحاته، ووعيه، وحدوده القصوى، وخاصية التفرد، في مجال لا يبدو شديد الوضوح، أو أنه شديد الغموض في تقدير متى يبدأ فضاؤك، ومتى ينتهي، ولا سيما في ظل موقع ضيق تحتشد فيه نساء من كافة أصقاع الأرض، يمارسن طقسهن الحياتي واليومي في الطارئ من الزمن، فكونهن إناثا لا يحتمل وضعية التأسيس لمروية أنثوية خالصة بمقدار ما تتسع لتشمل الوعي الإنساني في نتوء الحياة التي نعيشها. هؤلاء النسوة لهن فيه تشكيل من الحياة التي تستجيب للفعل المؤقت للبعض أو المستمر للبعض الآخر، الرفض للموجود، أو التسليم له، كونهن مرئيات أو لا مرئيات كما السلحفاة: «السلحفاة لا تحتاج مساحة واسعة. بيتها على ظهرها. ظهرها هو بيتها. تخرج منه متى أرادت، إذا أرادت. بإمكانها البقاء في الداخل وتتجنب بذلك ما يمكن أن يزعجها. يمكنها تجاهل أي حديث لا تريد المشاركة فيه أو الاستماع إليه والدخول إلى بيتها. أنا أيضا قد لا أكون في حاجة إلى أكثر من مساحة جسدي». 
وهنا يتخذ كلا الزمن والمكان في الوعي موضعا يقترب من صيغة الموضوع، إذ تتشكل قيمة السرد في تأمل صيغ المكان، والزمن عبر تقاطعه من الآخرين، وذلك ضمن بنية إلى حد ما فلسفية، وفي بعض الأحيان تبدو شديد الواقعية، ولعلها شديدة البساطة، وهكذا يكتسب النص بعدا متفجرا في إكساب الدلالات أو تبديدها. 
يبدو الوقت أو الزمن في وعي الشخصية المحورية مجالا شديد الخصوصية، فهي تمارس معه لعبة ذهنية، وكأنها تكتسب معه وعيا جديدا، أو فهما آخر للحياة، فهي عرفته في بداية الاحتجاز، ولعلها قدرته، وقدمت له مقياسا تبعا للمدى الشعوري، أو ضمن التقدير الفيزيائي، ولكن ثمة فرق واختلاف كما يقول العلماء بين الزمن النفسي والمادي، فتبرز حينا المقارنة مع الحدث خارج السجن، وتبرز الأدوات التي نتعامل معها في وعينا بحدود الأشياء، أي تلك الاستجابة للاتصال بالزمن الكامن في وعي الما قبل، فتأتي تلك الرسائل التي أرسلتها لشخصيتين من أصدقائها كي يساعدانها على الخروج من أزمتها، ولعلها ليست أزمنة بالمعنى الحرفي، فهي أقرب إلى تجربة، أو خروج عن مسار ما، ومع مرور الوقت تبدأ في هذه الشخصية في تكوين فهمها للزمن الذي بدا لها كتلة جديدة من العالم لم تختبرها بعد، مقاربة جديدة لأحاسيس تعاملت معها بصيغة جديدة ربما بدت مفاجئة لها، ولا سيما وهي تعيد صوغ شعورها، وهي تدخل السجن عبر البوابة التي تفتح بمفاتيح الحارسة، التي تخلو من أية ملامح تجاه الأنثى الأخرى، كما أن وجودها لا يتداخل مع الزائرة الجديدة التي تشرع في إدخالها إلى عالم جديد، مما يعني أن وعينا، وذواتنا يبقيان في حدود مجالنا الفردي، والخاص، أو مجالنا الذي نعيه، ونتأمله، ونفكر فيه، لا شيء يبدو جديرا بالتفكير فيه حين يكون خارج المساحة التي تقدر لنا، أو لعلها تأخذ فهما جديدا: 
«كتلة سمراء في بدلة كحلية فقط. وكأن نظرتي الزجاجية تقع على سطح زجاجي، وهي لا تنظر إلي، ولا حتى بطرف عينيها، هي لا تراني أيضا، لا تشعر بهالة جسدي تتداخل مع هالة جسدها. لا ترى حتى كتلتي كأنني رقيقة جدا وشفافة جدا». 
في بنية سردية تستند إلى فصول قصيرة، وإيقاع متواتر، نعبر في مجالات استقبال العالم الجديد، السجن، وكيفية تكوين الوجود الجديد في أضيق الحدود، إنه بعد جديد، ومن هنا تكمن قدرة الرواية على تفسير هذا الشعور، أو لا تفسره، ربما لأنها تطرحه للتأمل العميق ضمن فعل مختزل، ومكثف قصديا بغية استخلاص الإحساس، والقيمة، والشعور، وهذا لن يتحقق إلا عبر تبديد كافة الإضافات، والتفسيرات والشروح، وكل ما لا يتعلق بالوضع الجديد الذي تشرع الشخصية في اختباره دون أن نعلم لماذا… فتبدو اللغة شديدة التقشف، لا تنوء تحت وطأة الوصايات، والتفاصيل التي تجعل من السرد عالما ثقيلا، لا يستجيب لنزق القارئ المعاصر: 
«أعلم أن البعد الذي أدخله له توقيت مختلف. بعد يفصله عما خارج البوابة خطوط عرض وطول كثيرة، إضافة إلى إيقاع البعد الخارجي المختلف عن إيقاعي الداخلي». 
وبمجرد الدخول إلى السجن غرفة الاحتجاز تشرع الذات في تحديد تموضعها، فضائها، حدود عالمها، ومدى ما يمكن أن تتحكم فيه، وتشغله، وهذا يشمل المستوى الفيزيائي، كما المعنوي، وحتى الروحي الكامن في أعماق لا نستطيع أن نشعر بها، لأنها تحت فعل وصاية الذات الساردة، وهنا ينبثق الزمن بمعالجته الفيزيائية، كما النفسية، فنبدأ بدخول اللعبة بوصفنا قراء نحاول أن نستشعر هذا الإحساس، نحاول أن ننغمس في وعي الشخصية كي ندرك أننا في تكوين هذا الفضاء، وبأننا قادرون على إدراك معاني امتدادنا في الأمكنة التي نشغلها الآن، وتوقع كيف يمكن أن نعيد تكييف إحساسنا في فضاء جديد، فهل ثمة وعي سردي بهذا التأويل الذي أشغله هنا؟ ربما نعم، وربما لا، ولكن ثمة صيغة لا يمكن أن تخفى على القارئ الذي يدرك أن اللعبة السردية ما هي إلا محاولة تبديد أفكارنا، وشعورنا المألوف، نحو صيغة جديدة للتعامل مع الموقف، بما يكتنفه من تغيرات في الفضاء الجغرافي، والوعي الزمني. 
في التعامل الجديد مع الظرف، تبقى مسترجعات المعتاد، والرغبة، والسلوك، ما نحبه، وما نكرهه ضاغطا على اختياراتنا الجديدة، أو المفروضة علينا، فهل نملك أن نتنازل عما اعتدنا عليه، أو أن نقلل من ما كنا نشغله؟ وهل يمكن أن نتشارك مساحة ضيقة… أو كيف يمكن لنا أن نعتاد على مشاركة الضيق من الأشياء… ؟ كيف نتعامل مع حرارة غرفة لم نعتد عليها؟ وهذا يشمل استخدام الحمام، والسرير، وغير ذلك من عناصر العالم الشخصي، وبالتحديد حين يتحول إلى فضاء محدود وعام في آن واحد، حيث يكون لكل شخص ليله الخاص، ساعات نومه، ووسائل الترفيه الخاصة به، وحتى التلفاز يتحول إلى قيمة مشتركة ينبغي التوافق على عناصرها، وإدراك مدى التوافق في سياق لا نملكه، إنما أن نتعامل معه: 
كل ما أحتاجه هو زاوية، طبعا كل ما أتمناه هو كذبة، ولكن لن أحاول أن اسمح لهذه الأمنية أن تقترب من مخيلتي. الكنبة في البيت حيث مكانها الطبيعي، ومكاني الطبيعي وحيث لا بد ان يكون قريبا جدا فلا داعي لاستحضارها الآن». 
في هذا الفضاء تمارس النفس قدرتها على التصنيف، والتسمية، والتحديد، والتعيين، بما في ذلك مشاعر الارتياح، والتقارب، والتنافر، قراءة الملامح والسلوكيات، والماضي، وتفسير الوجوه، ولكن في حدود الفعل العالق زمانيا ومكانيا، ليس هنالك من أفق لتكوين هذا الوجود مع آخرين، ومطه؛ لأن الارتهان سيد الموقف، ولكن لا ضير من الاكتشاف، هناك فتاة القناع، وهناك الفتاة الفلبينية، وغير ذلك، هذا التسريب الدلالي لعله يحيلنا إلى تموضع الحكاية، ربما في سجن ما، أو مركز احتجاز ما في دولة خليجية ما، وهذا مما لا يمكن أن يبدو انفتاحا دلاليا واضحا، إنما هو تقدير نمارسه في محاولة البحث عن تكوين علاقات سببية مفهومة بين الحكاية، وتفاصيلها كي نلحم شذرات أو أجزاء السرد المتقشفة بخصوص تكوين عوالم مبتورة ترتبط بحكاية متماسكة، وهذا ما تحاول الرواية أن تلغيه، إنها رواية ربما تقترب من تشكيل الرواية الجديدة كما برزت في أوروبا وفرنسا على وجه التحديد، وعبر عنها روب غرييه ونتالي ساروت، وكلود سيمون. 
ثمة فقط توضيحات تتصل بأن ما لا نتخيله، يمكن أن يتحقق أو ما نحن فيه لا يمكن إلا أن نتقبله، ثمة قيمة حتمية تقودنا إلى التجربة، ولا طائل من محاولة تفسير الوقائع، ولا محاولة دفعها، بل أن نمضي معها بوعي فلسفي: 
«منذ دقائق كنت في الخارج والآن أنا هنا هذا الأمر يحدث فعلا لا مجال لتأجيله الآن». 
هكذا تختزل الرواية تجربة سردية يتأملها القارئ بتقدير، على الرغم من أنه بدا مقصيا من الامتلاء بالوقائع والأحداث، ومحاولة تأسيس وعي حكائي متكامل، ولكن هذا الكسر للتوقع، ومحاولة الاستئثار بالفعل السردي المحدود والضيق، ولكن المتسع على تشكيل جديد، وغير معتاد، أفسح للرواية مساحة لأن تكون متميزة بالصيغة والأسلوب، وإن بدت نافرة في بعض الأحيان، ولكنها تبقى تجربة سردية غير نمطية، ومتقدمة على مستوى التكوين والبناء.
 
القدس العربي
14-05-2018