"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


حبيب عبد الرب سروري في «حفيد سندباد»: أسفار واستكشافات في رواية

date: 
Sat, 09/09/2017

منذ أمد بعيد لم أقرأ رواية يمنية، بالرغم من شيوع هذا النوع الإبداعي في العقود الأخيرة في اليمن. كان الشعر ربما يحجب بعض الأسماء الروائية والقصصية، ولكن بعد ذيوع بعض الأسماء المهمة في هذا النسق الجديد من الكتابة، تقدمت الرواية اليمنية كغيرها في البلدان العربية، لتكشف عن ثيماتها ونماذجها وأنسقتها التي تحاكي هذا النوع من السرديات والمحكيات التي يحفل بها الواقع اليمني، واقع مرير دهمته الحروب والتشظيات الاجتماعية والطبقية والسياسية، وأخيراً المذهبية، لتطحن هذا البلد العربي الجميل والفقير في آن. حروب القبائل والطوائف والميليشيات المسلحة. ثمة أطفال مسلحون، فتيان، شبيبة في أوج تفتحهم، كان من المفترض أن ينهلوا العلم والمعرفة ويرسموا مستقبلهم، ولكن هيهات، فقد وقعوا ضحية التخلف والتوحش والتفرد بالسلطة .
المهم في الأمر أن الإبداع، وبالأخص الجانب السردي، سوف لن يُفوِّت الالتفات إلى هذه الأزمنة الجريحة، وإلى هذه الأطراف المتنازعة والمتصارعة، وإلى هذه التواريخ الرازحة تحت صوت المدافع والقنابل، والمتلفعة بالنهايات والموت المجاني والخسارات المتوالية .
من هنا برزت بعض الأصوات الروائية، النقية والإبداعية الجريئة في حقل الكتابة الروائية، مجترحة لها، وسط ضجيج الطلقات ووشيش الأسلحة ونيران الحروب، أفقاً من الكلمات، وسماءً متخيلة، ومساراً خليقاً بابتكار سقف جديد للمحكيّات، يؤوي السرديّات والمدوّنات والأقانيم الحديثة لعالم مختلف من الأفعال، متأسس على الكلام، ومنظوماته من المعاني والاستعارات والمنطق التعبيري المتوهج، والماتح من الفضاء اليمني الطعين والأليم، من الواقع المُترب والمُبعثر بين اليقينيّات واليوتوبيات، ولكن في المنتهى يبقى الإبداع اليمني اليوم هو الوحيد القادر على تجسيد التفاصيل السوداء والمُغبرَّة، للواقع اليمني الذي شغلته الحروب القبلية والمذهبية، والنزاعات السياسية ومصالحها وانشغالاتها المتعدِّدة .
من بين الأسماء الروائية الجديدة التي لفتت انتباه النقاد، وحتى عالم الجوائز إلى تجاربها، تجربة الروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري، في جديده «حفيد سندباد»، وهو قد سبق له أن أصدر روايتين هما «أروى» و «ابنة سوسلوف»، والأخيرة اختيرت لجائزة» البوكر» القائمة الطويلة .
ما لفتني حقاً في رواية «حفيد سندباد» أولاً هو لغتها الشاعرية، وشفافية وأناقة الجمل المنتقاة بعناية، وثانيا موضوعها، وهو يقع في خانة الغرائبي المنتمي إلى عالم رواية ما بعد الحداثة، أو عالم الميتافكشن، أو الكتابة عن الكتابة، أو الكتابة عن السّرد والمَروي. فالرواية لا تستفيد من المنظور المعروف للرواية الحديثة، رواية النسق والماهيات والحبكات التي تكشف مسار الرواية، عبر المسرود والمنصوص عليه، بل هي رواية تتحدَّث عن الكتابة نفسها، عن المكتوب والمرئي والموحي في نص الرواية .
تحت ظل هذا المفهوم يجد الراوي العليم، وهو طالب يمني، يدرس برمجيّات الكومبيوتر والأساليب التقنية المختصة به، وبعالمه المتعدِّد ودماغه المتنوِّع، يجد حاسوباً بجانب المقهى الذي يفطر فيه، يجده صباحاً مرمياً مع المهملات على الرصيف، يملك هذا الطالب في بيته صديقاً، هو ربوت آليّ مُبرمج، سمَّاه بهلول، هذا البهلول يُحدِّثه ويؤنسه في لحظات وحدته، كونه يعيش وحيداً، فهو يبرمج له وقته، وقت النوم والإفطار والمواعيد أيضاً، ولا يدعه يتأخر في السهر، فهو الآمر الناهي، وولي أمره وراعي عزلته ووحدته، في عالم واسع ومكان مضيء، كالعاصمة الفرنسية باريس.
في بيت الراوي العليم القادم من عدن، سيفتح هذا الحاسوب الذي عثر عليه وسط القمامة، وعلى رصيف بمحاذاة المقهى.
من هنا ستبدأ الرواية بتجسيد عالم صاحب الحاسوب أو الكومبيوتر المرمي، عندما يجد الراوي العدني يوميات قد دُونتْ، صاحبها هو أيضاً طالب برمجيّات ومتخصِّص في الشؤون والقضايا الرقمية، يسرد فيها نادر الغريب، وهو الشخصية المحورية في الرواية، حياته وأسفاره والتفاصيل الكثيرة التي عاشها خلال رحلاته من بلد إلى بلد، متنقلاً، مستغرقاً في حياة بوهيمية، يجوب فيها العالم، له عمل رقمي، وهو بيعه لبرمجيات ترفيهية، وأخرى مهنية على الإنترنت، ليعيش من خلالها، جائباً جغرافية العالم، واصفاً كل شيء يراه ويلمحه، عائشاً على الجمال والفن والأعصر القديمة التي تركت عجائبها على الأرض ومضت، يمضي من بلد إلى آخر، منتهزاً فرصه الحياتية، هارباً من وسائط الاتصال التقنية والوجه العبوس للآلة .
«يُجلي النص البنية النفسية العميقة لهذا النادر، أسير التكنولوجيا والكومبيوتر، الهارب من مدينة إلى مدينة، من الإنترنت والتكنولوجيا إلى التاريخ والفن، بحثاً عن كل شيء ولا شيء».
تُفصح الرواية بأنسقتها المتشعِّبة والمستبطنة لحياة نادر الغريب، المغربي المتحدِّر من عائلة غنية في الرباط، عن عالم الميديا الحديثة التي تُسيطر على كاهل الإنسان والشباب الطالع الآن، المولع بهذا الفضاء الأزرق الذي أضحى أسيراً له.
الراوي العليم يسرد من جهة، شؤون نادر الغريب، عبر نصوص مُدوَّنة، وذات عناوين، ومرتبة حسب الشهور والسنوات، وخاصة أسفاره إلى الهند وفلورنسا، وهيامه بالفنون التي تخلب لبَّه، وتجعله شغوفاً بها، كزيارته لتاج محل، ووصف ذلك المعلم الذي يتحلى بالرقي، النبيل، ووصف حتى عائلة الشاه الباني للمكان، وسرد تفاصيل حياته أيضاً، كسلطان مُتجبِّر سجن والده وقتل أخاه الكبير المفضل لدى الشاه، ثم الاستغراق في وصفه لجمال فلورنسا الأيقونية، تلك المدينة المتخمة بالسحر الفني الذي جعلها آية للجمال الباذخ.
ومن جهة أخرى يكشف، أي الراوي العليم، وهو مستغرق في فك شفرات حياة نادر الغريب، يكشف خلال هذا البحث، مسيرته أيضاً وعالمه المتوحِّد، مع البهلول والتكنولوجيا، لا صديق هنا سوى إنسان آلي، يُداعب ويُنسِّق لسيِّده أو صديقه أو لأخيه برنامجه اليومي .
يتمادى الراوي ويتوغل بعيداً في حياة نادر الغريب، كل يوم يقرأ مدوَّنة توصله إلى شيء ما، مثير حول حياة نادر، كذكره لأمِّه وتقديسها، دون أن يرد ولو مرَّة اسم الأب. ثمة لغز مخفيّ ينتاب حياة نادر، والراوي لا يستطيع هنا، وسط هذه المعلومات الكثيرة معرفته، والتوصّل إليه .
وعلى طريقة المونتاج، يقطع أحياناً الراوي مسار المعلومات، تلك التي توضح فيه حياة نادر الغريب وتؤدي إلى كشف بعض تفاصيل حياته، وعمله في مختبر الجامعة وتحضيره للشهادة التي تختص بشأن البرمجة الكومبيوترية، فهنا يتوغل الراوي لإضاءة حياة الآخرين من الأساتذة والباحثين الكبار، أصحاب النظريات والبحوث العلمية الكبرى التي تسعى إلى تغيير العالم، مستذكراً أيضاً وهو مستغرق في حياة الأستاذين ديمتري وميشيل والمحبوب نادر من قبل مؤسسات، مثل «غوغل» وشركات كبرى تدفع لهم بالملايين، نظير عملهم التقني، يستذكر الراوي هنا مايا، وهي ابنة ديمتري الذي مات في المحصلة ولم يعترف بأبوِّته لمايا وبأنها من صلبه، ويستذكر فريال العدنية وإيزابيل التي أحبت العيش في اليمن، ولكن الراوي اليمني كان لا يحبذ ذلك الخيار في العيش، فكان يؤجله دائماً بسبب الحروب بين القبائل الماركسية، على حد تعبيره، إلى أن افترقا في النهاية.
«إذا كانت إيزابيل قد خلقت لتحيا في باب المندب، فأنا خُلقت لأكون في باب المرارات، فمنذ رحيل فريال في صباي، ثم ايزابيل لاحقاً وأخيراً مايا في نهاية 1995 تلخّصني كلمة المرارات أفضل تلخيص» .
ولا يفوت الراوي الإشارة وهو يصف مراراته، أن يعرج على مرارات اليمن الكثيرة، عبر زيارته وحنينه إلى اليمن ليرى وبطريق المصادفة، تلك الحرب القذرة واندحار ثورة «الربيع العربي» كما يصفها، حيث «الدبابات تقصف من كل مكان والقناصون من ميليشيات المعتدين الحوثيِّين وجيشهم الطائفي …. يقصف شعباً أعزل، متمركزون على العمارات، يُجيدون بمهارة التصويب على مركز المخ» .
ربما الشغف والتوق والفضول الكبير، هي ما ستدفع الراوي الذي صار نادر جزءاً من كيانه، ومن حياته اليومية، أن يأمر حبيبه بهلول أن يبحث له في غوغل وفي حقل» البيانات العملاقة» عن عنوان نادر الغريب، وبعد ذهابه إلى النوم لأخذ قيلولة، ومن ثم نهوضه بعد فترة قصيرة، يجد أمامه ورقة فيها عناوين نادر الغريب، والعنوان الثالث كان شقة في حي «الماريه» الراقي. في الحال ينطلق الراوي باحثاً عن الشقة، إلى أن يصلها ويقرع الباب ولكن لا جواب، وبعد طول انتظار جلوساً أمام بابها بمحاذاة السلم، تأتي فتاة لأخذ بعض الأغراض، وسيارتها الذكية تنتظرها في الأسفل، والمفاجأة هنا أن هذه الفتاة هي «مايا» طالبته القديمة التي كانت تتدرَّب عنده، فأحبها من طرف واحد، وهي الآن زوجة لنادر، لذا يجد الراوي نفسه في مأزق، إذ ليس ثمة وقت للمساءلة، فتأخذه معها إلى المستشفى الذي يرقد فيه نادر بعد تعرّضه لحادث سير، وفقد بصره بسببه، وكان الحادث ذلك، قد وقع يوم أمس، عندما رمى كومبيوتره المحمول في الزبالة ومضى على الدراجة البخارية، وهو الآن يتدرب على العصا الذكية التي ستساعده في التنقل دون الارتطام بالأشياء .
هنا يراود الراوي سؤال، هل كان نادر يحاول الانتحار يوم أمس، بعد رميه الماكنتوش مع القمامة، بعد أن طاف الدنيا ورأى العالم؟

 

القدس العربي