"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


الصحراء العربية تشتعل خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى: ثورة مكة ولورنس العرب وحرب الدراويش

date: 
Mon, 07/02/2018
حين الحديث عن الأيام الأخيرة للمدن العربية في الحرب العالمية الأولى، غالبا ما تروى أحداثها بناء على سردية تقول إن الدولة العثمانية كانت تشهد تدهورا كبيرا وإن سقوطها كان قدراً لا فرار منه؛ ونتيجة هذا السقوط فإن المنطقة كانت تشهد تقسيما بين بريطانيا وفرنسا ما عرف فيما بعد باتفاقية كل من فرانسوا بيكو الفرنسي ومارك سايكس البريطاني.
هذه الأحداث ـ وفقا لهذه السردية ـ كانت تجري أمام أعين العرب الذين لم يكونوا سوى ممثلين فاشلين أو مغفلين، خاصة الأمير الحجازي الشريف حسين وأولاده، الذين انساقوا وراء أساطير شاب انكليزي، أحيمر، وقصير القامة، يدعى نيد لورنس والذي سيعرفه العالم لاحقا باسم لورنس العرب، الذي قدم إلى الصحراء العربية كما كتب في إحدى الوثائق المنشورة في الارشيف البريطاني باحثا عن حرب مكة التي ستكون «حربا للدروايش» وفق تعبيره، والذي يعني بهم القبائل والبدو ضد الجيوش النظامية العثمانية. ولإنجاز هذه المهمة سرعان ما ارتدى لورنس عباءة عربية بيضاء كانت في الأساس مرسلة للأمير فيصل، وأخذ يجول بين البدو أو الدراويش ليحرضهم على دعم الأمير فيصل.
كان هذا الشاب القصير صاحب العينين الزرقاوتين، يحمل كل صفات الأوروبي والذي يزور المنطقة كما عهدت كل سردياتنا حول المستشرقين باحثا عن مغامرات ومؤامرات وخرائط جديدة للمنطقة. ولذلك استطاع بدهائه إقناع العرب بضرورة الانفصال عن الدولة العثمانية، ومن ثم غدر بهم.
وقد بقيت السردية السابقة بمثابة المرجع التي تنهل منه كل الحركات القومية والإسلامية أثناء حديثها عن تاريخ تكونها وشرعية وجودها. الأهم من ذلك أنها أدت بشكل أو بآخر إلى تكوين رؤية داخل العقل السياسي العربي ترى أن المنطقة هي عبارة عن مكان للصراع بين القوى، ونحن لسنا سوى أدوات للتنفيذ، مرسوم لنا بدقة أدوارا محددة لا يمكن تجاوزها، وبناء على ذلك، غدونا مع كل هزيمة نعود للكشف عن المخططات الخفية التي تقف وراء كل أزماتنا ومشاكلنا اليومية.
ورغم أننا لسنا بوارد نقاش تبعات الحرب العالمية الأولى على المنطقة، غير أن هذه السردية غالبا ما تخفي النقاش اليومي والحراك الذي كان يجري آنذاك بين النخب المحلية والقوى الدولية، وهو حراك في جانب كبير منه كان حراكا فاعلا، وحيويا ومدركا لطبيعة الصراع القائم ولسياسات الدولة الأوروبية / بعكس الصورة التي تظهرهم على أنهم مغفلون / الأهم من ذلك، غالبا ما أهمل في هذه السردية رؤية الأوروبيين للصراع في تلك الفترة. هذا بالإضافة إلى أن شكل خريطة الدولية لم تكن خريطة مطواعة للسياسات الفرنسية والبريطانية، بل كان هناك دور وصخب في روسيا، وبروز للولايات المتحدة الأمريكية أخذ يضغط على حسابات سياسات هذه الدول.
وربما النقطة الأخيرة بالذات والتي تتطرق لرؤية إحدى الدول الفاعلة في تلك الفترة، ونعني هنا بريطانيا، هو ما حاول المؤرخ البريطاني في الجامعة الملكية اللندنية جايمس بار في كتابه « الصحراء تشتعل» إعادة رسمه لنا من جديد عبر العودة للارشيف البريطاني لتلك الفترة، والذي لا نعثر فيه على وثائق ومراسلات رسمية، ربما يطلع عليها القارىء العربي لأول مرة، بل وأيضا على مذكرات وعلى ملاحظات وهوامش كان قد كتبها عدد من العاملين في وزارة الخارجية البريطانية في تلك الفترة.
حاول جايمس بار أن يهتم بدراسة الفترة الواقعة بين 1916 و1918، عبر تغطية معظم ما دار شهرا بشهر، ورصد التغير في الخطط البريطانية بالإضافة إلى الصراع الذي كان يجري بين المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية، وتنافسهم في أحــــيان عديدة على وضع خطط جديدة ومتضاربة.
قبل التطرق لبعض وجوه الكتاب لعل ما يثير اهتمام القارىء في رحلته للكشف عن كواليس صانع القرار البريطاني، هو الأسلوب الروائي والتصويري الذي أعد فيه المؤرخ كتابه. فالكتاب لا يقدم تاريخ المنطقة بأسلوب جاف أو سياسي كما عودتنا بعض الكتب، بل غالبا ما حاول الكاتب رصد التغيرات السياسية والاجتماعية التي كانت تعيشها المنطقة من خلال يوميات بعض أبطال تلك الفترة، وهم أبطال ليسوا بالضرورة معروفين في كتب التاريخ الرسمية؛ وقد استطاع الكاتب بحس إثنوغرافي الجمع بين ما احتوته رسائل المسؤولين البريطانيين من مشاهدات حول البدو وحياتهم ونقاشاتهم معهم، وبين مشاهداته الحية للمناطق ذاتها التي شهدت الثورة الكبرى، عبر زيارته وتتبعه لدرب هذه الثورة من صحراء الحجاز متنقلا لاحقا إلى الأردن ودرعا ودمشق محاولا تتبع خط سكة قطار الحجاز؛ وهو الخط الذي ستدور حوله معارك عديدة لمنع إرسال العثمانيين لأي مساعدات للحجاز أو حتى منعا لتقدم الالمان باتجاه مناطق أخرى كان يتواجد فيها البريطانيون.
 
أمة الدراويش
 
كان قارع الطبول يلعب وراءهم الإيقاع العسكري؟ ووراءهم أيضا القطيع المترنح من الف ومئتي جمل التابع للحراس الذين يمشون متلاصقين بعضهم إلى جانب بعض. كان الرجال يرتدون الألبسة الملونة على أنواعها، وكانت الجمال تلمع أيضا بجلالها المزركش؟ كان الحشد بكامله يغني بأعلى صوت أغنية حربية تتغنى بفيصل وعائلته.
وقد لاحظ عبد الكريم، أحد قادة قبلية جهينة «لم نعد عربا، بل أصبحنا أمة» وهو ينظر من خيمته إلى مئات النيران التي كانت تشتعل في الإسفل في إحدى ليالي استراحة فيصل ومن معه.
بهذا الأسلوب السينمائي يحاول جايمس بار أن يصور لنا كيف كان لورنس ينظر لثورة مكة في تلك الفترة. فبعد سنوات قصيرة قضاها في مركز المخابرات، ها هو يكلف بالتواصل مع الشريف حسين وأولاده. وهو في طريقه إلى مهتمه تذكر الرسالة التي أرسلها إلى أستاذه في جامعة اكسفورد دايفد هوغارث حيث ذكر فيها أن الثورة لا بد وأن لا تقتصر على الحجاز كما ود لاحقا بعض المسؤولين البريطانيين بل لا بد من الوصول إلى دمشق والقضاء على أي أمل للفرنسيين في سوريا. هذه الرؤية ربما هي ما ستدفع لورنس إلى تقييم أبناء الحسين بناء على رؤيتهم تجاه سوريا. فقد وجد لورنس أن فيصل كان أكثر أبناء الشريف حسين فائدة ؛ مع ذلك لم تشاركه القاهرة بالضرورة الرأي نظرا لتواصله أو التواصل الوثيق بينه وبين أنور باشا هذا بالإضافة إلى أن البريطانيين كانوا يعتقدون بضرورة أن يحصر فيصل اهتمامه في حصار المدينة والسيطرة على الحجاز .
في المقابل ورغم أن الأمير عبد الله كان أول أبناء الحسين الذي أوقعوا هزيمة بإحدى الكتائب العثمانية في ضواحي المدينة المنورة، مع ذلك لم يكن لديه طموح تجاه سوريا وكان يفضل السيطرة على المدينة وهو ما كان يوافق خطط بريطانيا في تلك الفترة، لذلك فإن لورنس كان دائما يصفه في رسائله بوصفه يمضي يومه في قراءة الصحف العربية والأكل والنوم وخصوصا التنكيت .
سرعان ما ستقع في عام 1917 سلسلة من الأحداث خارج نطاق الحجاز، والتي ستساهم في إعادة نظر البريطانيين بخططهم بخصوص ضرورة تشجيع العرب على التوجه شمالا (سوريا) بدل الاقتصار على ثورة في الحجاز.
في 11 اذار/مارس احتلت القوات البريطانية بغداد بعد حملة دامت شهرين. بعد اربعة أيام، وعقب تنفيذ هجومات على نطاق واسع وعصيان في مدينة بتروغراد أدى إلى عرقلة أعمال الآلية الصناعية الروسية، تخلى القيصر نيقولا الثاني عن العرش. وقد أثار هذا المشهد قلق رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج من أن يحذو بعض العمال البريطانيين حذو الروسيين. لذا أراد تحقيق انتصار سريع لرفع المعنويات العامة عبر شن هجوم بريطاني على سوريا والاستيلاء على فلسطين بدل من الاقتصار على غزة.
ومما يلاحظه المؤرخ بار هنا من خلال الرسائل المتبادلة بخصوص هذه الخطة أن سايكس / موقع اتفاقية سايكس بيكو من الجانب البريطاني/ كان من أكثر المعترضين على هذه الرؤية بعكس لورنس الذي بدا متحمسا لها كونها تخدم رؤيته في إبعاد الفرنسيين عن سوريا. وهنا يؤكد المؤرخ أن البريطانيين لم يكن لديهم أي مانع من نقض هذه الاتفاقية / بعكس الصورة التي تصورها لنا بعض الكتب بوصفها وثيقة رسمت كل ما تلاها من أحداث/، إذ لم يحظ مخطط سايكس سوى بقلة من المؤيدين له في لندن ،كما بدا أن الأمريكيين في تلك الفترة غير موافقين على السياسة الخارجية الأوروبية، وقد شعر سايكس بظهور عدائية تجاه خطته ولذلك أخذ يناقش ضرورة تسليم إدارة بلاد ما بين النهرين للعرب، كما اقترح على بيكو امتثال فرنسا لهذا الموقف في سوريا.
 
لورانس يتحرك
 
وقد استفاد لورنس من هذا الموقف الجديد وبدا يتحرك في اتجاه الأردن ودرعا. ويخص المؤرخ هنا تفاصيل دقيقة حول دور النخب المحلية مثل نسيب البكري، إضافة إلى القبائل والعشائر الأردنية مثل آل حويطات وبني صخر وغيرهم في مواجهة القوات العثمانية وفي تدمير خطوط السكك الحديدية، كما أنه رصد حالات الفشل العديدة التي مني بها البريطانيون أمام العثمانيين الذي بدوا لنا من خلال هذه الفصول قادرين على إفشال العديد من الخطط، هذا بالإضافة إلى إرساء سلام مع القبائل وحتى محاولة التواصل مع الشريف الحسين للوصول إلى اتفاق.
لكن القوات البريطانية استطاعت هزم العثمانيين ودخول دمشق. وما أن دخلها لورنس حتى سارع إلى التذكير بأن فيلق الجمال العربي كان أول القوات التي دخلت إلى دمشق، داعيا البريطانيين إلى ضرورة تسليم المدينة لفيصل الذي بدا مستاء.
ورغم أن البريطانيين حاولوا في ظل الأوضاع الجديدة إبطال اتفاقية سايكس بيكو، لكن سرعان ما ستعيش بريطانيا فترة اندلاع للثورة القومية في مصر، وانهيار معنويات جيشها بعد الحرب العالمية الأولى بسبب بطء عملية التسريح كما وجد البريطانيون أن لهم مصلحة في السيطرة على فلسطين وبلاد ما بين النهرين بعد انتهاء الحرب لأهمية النفط في الحفاظ على القوة البحرية البريطانية، ولذلك سرعان ما عاد الحديث عن اتفاقية سايكس بيكو التي كانت تحتضر قبلها بأشهر كما وجدوا أن التخاصم مع العرب يبقى أفضل من التخاصم مع الفرنسيين في سياق الظروف السابقة، مع ذلك حاولت التعويض عن حلفائها في زمن الحرب عبر تنصيب فيصل ملكا على العراق وشقيقه عبد الله ملكا على شرق الأردن.
 
القدس العربي
02-07-2018