"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«جيرمين وإخوانها» لحازم صاغية: رفع البديهة إلى حدود الدهشة

date: 
Fri, 11/03/2017
من البداية، نعرف أن لجيرمين التي «صدمتها سيارة وهي طفلة، ونمت نموا متفاوتا كما ينمو العشب»، أخوة واخوات على شاكلتها، الأمر لا يحمل مفاجأة. لكن شخوص المجموعة القصصية «جيرمين وإخوانها»، بتشوهاتهم، ومصائرهم العبثية، التي أحالها حازم صاغية، لبداهة، تظل مدهشة إلى أقصى حد. لا لشيء سوى فضل تلك البداهة المقلقة نفسها، التي نقبلها ونستسلم أمامها بكل رضى. 
فجيرمين التي «توقف عقلها عند لحظة سابقة، أو ربما رجع إلى زمن يسبقه»، تعلمت كلمات جديدة، بعد أن اعتنق ابن شقيقتها الماركسية، وبدأت تطلقها على من حولها، فبائع البطاطا برجوازي، فيما برأت بائع البطيخ من تلك السبة، واستخدمت تعبير «انعزالي» بقصد هجاء من لا تحبهم، فيما كانت صفة «وحدوي» هي طريقتها في المديح. أما أم نصري، فلم تكن أفضل حالا، فهي تقرأ الجريدة بالعرض، «بدون اعتبار الخطوط الفاصلة بين إطار وإطار، وبين خبر وخبر». وبطل قصة «أنطون قتيل الأغاني»، فقد أصبح قوميا سورياً، لأنه ذات مرة سمع نشيدهم فأعجبه، قبل أن ينتقل إلى مكان ما على ساحل جبل لبنان، وسمع أغاني الشيخ أمام، التي فضلها على غيرها، وترجم ولعه بها بالانتساب إلى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لكن وسيم كان أكثر حكمة، فبطل قصة « البراءة التي لم تنقذ وسيم»، غير أنه تجرأ على طرح السؤال «أليس هناك مكان أقرب قليلا لنحرره؟ القدس بعيدة جدا يا رجل»، فقد هداه تفكيره إلى «لؤم الحقد الطبقي وانحطاطه»، بعد ما بالغ أحد رفاقه في هجاء شخص لأنه «برجوازي صغير»، «إذ ما ذنب الطفل إذا كان والده برجوازيا ؟». أما علي، الذي لا نعرف سببا لولعه، برئيس الوزراء البريطاني، هارولد ماكميلان، فسخاؤه في التأويل والاستنتاج، أعانه على تفسير سبب هجوم إذاعة صوت العرب عليه. فنساء القرية طويلات اللسان ربما يحاولن الإيقاع بينه وبين ناصر الذي يحبه أيضا، أو أن الأمر لعبه يتظاهر فيها ناصر بكراهيته للرجل، للتغطية على كراهيته لسياسيين آخرين. لكن صاغية، لا يكتفى بإغراقنا في عبث، يصفه بالبراءة أحيانا، بغرض دفعنا لاعتياد تشوهات إبطاله ونزع الغرائبية عنهم. فمصائرهم أيضا التي تنتهي غالبا بالموت، أو الاختفاء، أو الضياع، تبدو سهولة توقعها في قصة بعد أخرى، وتعطل عنصر المفاجأة فيها عمدا، سبب آخر للرضى بكل هذا العبث، وربما سبب للاطمئنان إلى تلك المصائر على أنها مستحقة، على الرغم من ظلمها. يحيلنا صاغية إلى السياسة، بدون أن تسقط قصصه في فخ طغيانها على السرد، عارضا شذرات من أحوال اللبنانيين وحروبهم وهجرتهم وطوائفهم وتحولاتهم، مع غيرهم من العرب، في الماضي والحاضر، لا بقصد الهزء من تناقضاتها، وإيلامنا بالسخرية منها، فقط، بل أيضا صدمنا من اعتيادها، والاستسلام لها في الواقع كما في القصص. 
تتحول قصص القسم الثالث من المجموعة، «مجرد تفاصيل»، إلى سرديات أكثر حميمية بصوت الراوي، عن نفسه، عن علاقته باللوتو وخيبتها، وعادات تدخينه وحرب العالم عليها، وأطباء الأسنان الذين تنقل بينهم، وروائح بيروت وشققها، والسائق الذي تربطه به علاقة محورها آلام المعدة وأدويتها. تمزج تلك الحميمية الذاتي بالعام، والشخصي بالسياسي، وعن تحولاتها جميعا، فكل شيء تغير في راوينا، «من المظهر الخارجي إلى الأفكار والأحزاب، انتهاء بالأصدقاء والصديقات، لكن التدخين بقي الثابت الوحيد». ومن بين تلك التفاصيل، يكشف صاغية عن سبب قسوته في تحديد مصائر أبطال قصصه السابقة. فبتخيل طرق لانتحارهم، ينتقم الراوي من الإساءة التي تعرض لها على يد أطباء اسنانه، المسيسين كل على طريقته، وعبر نصائحه عن الصحة وميكانيكا السيارات، يمارس سلطة الوعظ والحكمة على سائقه، التي خسرها في النهاية، من فرط هشاشة أساسها. هو انتقام العاجز إذن، وسلطة تفتقد لشرعية تدعمها، ولا يبقى أمام صاحبها، سوى سلطة السرد وسطوته. 
في القسم الرابع والأخير من المجموعة، «عن ماضينا ومستقبلنا» يتحول صاغية إلى تحميل الحدث ثقلا أكبر في سرديته، مكتفيا بالحد الأدنى من تفاصيل شخصياته. في «حينما خطف كميل»، يبكى الخاطف أمام مخطوفه، ويقف المخطوف حاملا سلاحا أمام البناية لحماية خاطفيه، الخطف يتحول لورطة للأول، ونجاة للثاني، يتبادل الجميع الأدوار وتتحول الأشياء إلى عكس معانيها، كما يصبح الضحية، معتديا في «إله ميشال العادل»، ويحل الناشطون محل المناضلين، وحقوق النساء والمثليين بدلا من محاربة الإمبريالية والبرجوازية، في «مونولوغ حزبي خالص»، فيما يقفز ماضي الاستعمار الذي جاء إلى المنطقة بغية الاستيلاء على حلويات «زنود الست»، من عام 1881 إلى المستقبل، في الاحتلال القبرصي لبلاد العرب، في عام 2025. 
ينتهي بنا صاغية من حيث بدأ، فبين ماضي نعرفه جيدا، وحاضر لم تحمل كل تغيراته سوى مزيد من العبث، لا يمكن استشراف غير مستقبل جديرا بالسخرية والرثاء في آن واحــد، تظل البصلة في « 1978…أو حرب البصلة» سببا للحرب من جيل بعد جيل، من الأربعينيات، إلى حرب السنتين، وما بعدها، وسببا لسخريتنا نحن، من غرائبية ما حدث وما يحدث، ومبررا لصدمتنا في اعتيادنا على كل هذا، إلى حد أنه أصبح موضوعا للضحك.
 
القدس العربي