"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


همس النجوم.. كتاب جديد لنجيب محفوظ

date: 
Mon, 02/11/2019
صدرت الشهر الماضي عن دار الساقي مجموعة قصصية لنجيب محفوظ لم تُنشر قصصها الثماني عشرة من قبل في كتاب؛ وإن كانت نُشرت في مجلة نصف الدنيا في الأعوام القليلة التي سبقت رحيله. المجموعة تحمل اسم همس النجوم، وهو عنوان إحدي قصصها. ولست أدري إن كانت صدفة جميلة, أم عمداً أجمل أن تجمع كلمة همس بين أول وآخر إبداعات محفوظ المنشورة, إذ إن أول عمل إبداعي نُشر له كان مجموعة قصصية بعنوان: همس الجنون صدرت في ثلاثينيات القرن الماضي. أما هذه المجموعة, الصادرة في يناير 2019، فتسبق قصصها, التي تهمس لنا بعبقرية كاتبها, مقدمة للزميل الكاتب محمد شعير الصحفي بجريدة »أخبار الأدب«. ويروي لنا شعير في مقدمته كيف أن ابنة أديبنا العظيم الأستاذة أم كلثوم منحته صندوقاً صغيراً يتضمن أوراقاً عدة تخص (محفوظ), ومن ضمن ما احتواه الصندوق أربعين قصة قصيرة لمحفوظ كتبها بين عامي 1993 و1994, ونُشِر الجزء الأكبر منها باختيار مبدعها في آخر مجموعتين قصصيتين صدرتا له, وهما القرار الأخير وصدي النسيان, لكن ظلت ثماني عشرة قصة خارج الأعمال الكاملة بطبعاتها المختلفة, من بينها قصة لم تُنشر علي الإطلاق بعنوان: نبقة في الحصن القديم«. هذه القصص, المستبعدة بقرار من كاتبها, تحمل رغم ذلك من الجمال, ومن عطر نجيب محفوظ الخاص وفتنته التي يعرفها قراؤه المحبون, ما يجعل من همس النجوم متعة أخري تضاف لعبير حديقته الأدبية.
 
من ذلك العبير ما شمه رجل من سكان حارة نجيب محفوظ الخالدة التي تدور فيها أحداث كثير من أعماله, ومنها كل قصص هذه المجموعة. يحكي لنا محفوظ في قصة منها, بعنوان: سر آخر الليل, كيف رجع ذلك الرجل إلي الحارة قبل الفجر بقليل, وكانت الحارة ساعتها في سُبات مغمضة الأجفان, ولم تشهد في تلك الساعة سوي شبحِهِ المترنج وظلمة الليل الكثيف, وكيف أن ذلك النشوان ازداد انتشاءً حين »دخل في روضة تفوح برائحة مسكرة وتساءل: من أين انسكب ذلك العطر الفوّاح؟.. وملأ صدره بالعبير حتي أذهلته الفتنة. وتسمرت قدماه... كان عطر امرأة ما. مرَّت واختفت. لكنه: مال إلي الظن المجنون بأنها ما تزال قريبة, وراح يقطع الحارة ذهاباً وإياباً علي مهل كأنه خفير الدرك. وبعد ذلك »كلما مرت امرأة صباحاً أو مساءً, تذكّر وتشمَّم.. وتنهد!. هذه الأقصوصة تمثل لغة نجيب محفوظ حين يصل بها التكثيف إلي الشعر في أسمي مراتبه, ويميل الحكي, لا لنقل الواقع بل إعادة صياغته ليكون رمزاً مقتضباً يُغني عن الكثير من السرد النثري الواقعي بما فيه من شروح وتفاصيل, ويلخصه في كلمات قليلة توحي دون أن تشرح. إلا أن »همس النجوم« تحوي تنويعات أخري من فنون القص ونماذجه؛ فبدلاً من الشعر الشجي مثلاً تطل السخرية المريرة من بين سطور قصة نبوءة نملة, حيث يتنبأ المجذوب نملة لأحد متسولي الحارة بما فسّره الناس بأنه سيصير من علية القوم, حين قال له المجذوب: أبشر يا هُمام.. ستحيط بك الأنام.. ويُقبل عليك الحكام. أما ما حدث بالفعل أن ذلك المتسول, في ليلة المولد المباركة, يسقط تحت أقدام زحام المحتفلين, »وحول جثته تكاثر المشاهدون ثم جاء الحكّام تباعاً: الضابط, وكيل النيابة, الطبيب الشرعي.. فصدقت النبوءة.. ووقعت المعجزة. ولكن الفارق كبير ومرير, بين ما فهمه الناس من كلام المجذوب, وبين التفسير الوحيد الذي يقبله العقل والواقع!
 
هذا مجرد مذاق يسير من مائدة جمالية أخري يمنحها محفوظ لعشاقه, مائدة حافلة بمذاقات شتي من الجمال الأدبي, وإن كان كلها يحمل طعم نجيب محفوظ الذي يعرفه ويحن إليه قراؤه.
 
الأهرام
11-02-2019