"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


"كان غداً": الأمس هو المستقبل؟

date: 
Wed, 10/25/2017
في روايته الرابعة، "كان غداً" عن دار الساقي، يقدم لنا الروائي اللبناني هلال شومان (1982) حكاية متشعبة تتوزع على فترتين زمنيتين، وتتفرع إلى عدد من القصص التي تعرف شخصياتها بعضها بعضاً، كأن الكاتب يقول لنا إن الجميع له حكايات تستحق أن تُروى، هو الذي بيّن لنا من خلال روايته السابقة الناجحة "ليمبو بيروت" كم أن الدنيا صغيرة من خلال التقاء أطراف حكايته ببعضهم في مجرى الأحداث، قبل أن تكتمل عندنا الصورة النهائية.
 
في الروايتين ينوّع شومان من راويه، فهو هنا عليمٌ في أغلب الصفحات، مع تدخّل للراوي الشخصي من خلال يوميات ريم، وفي الحكاية التي ترويها سهى في لندن بعد أن تركت زوجها خالد ومشاكلها الحياتية العديدة معه والأوضاع المتأزمة في لبنان وسافرت، حاملة في رحمها جنيناً من رجل آخر، وفي حكاية ضرغام الطويلة.
 
في الشكل، كُتبت هذه الرواية في مقاطع قصيرة لا يتعدى طول معظمها الصفحتين، تتناوب خلالها حكايات الشخصيات. نجد ما يشبه تفسيراً غير مباشر من الكاتب لاختياره الشكلي الخالط للحكايات والمبعثِر للتسلسل الكرونولوجي لسير الأحداث في الصفحة (40) في فقرة بعنوان (صحيفة الكنبة: مقابلة)، يورده على لسان مخرج سينمائي كتب فيلمه بنفس طريقة كتابة هذه الرواية، حيث يقول: "حياتي حالياً مجموعة من المشوشات التي لم تعد تؤثر علي... حياتي تغيرت منذ الفيلم السابق". يربط الكاتب قارئه بخيوط حكاياته المتناوبة على امتداد السرد، يشده في كل مقطع من خيط، يرخيه في المقطع التالي ليشده من خيط آخر، هكذا إلى أن يوصلنا إلى نهاية الرواية، دون أن نشعر بالملل، ونحن نريد أن نعرف أكثر عن: سبب فشل زواج خالد وسهى ولماذا تركته ورحلت؟ كيف ستنتهي قصة خالد مع ريم، الشخصين الخائبين والوحيدين؟ كيف ستُنهي ريم علاقتها الجنسية بمديرها الفرنسي الذي منحته جسدها ولم تعد تستطيع الانسحاب؟ مصير جانيت الخوري المفقودة في زمن الحرب الأهلية، وهي زوجة ضرغام الصليبي المَلّاك الذي خسر أرزاقه خلال الحرب، الذي يروي حكايته على امتداد الرواية لجاره الجديد خالد الذي كان يعمل صحافياً، ولا تعدو أن تكون هذه الحكاية في الأخير حكاية عجوز خَرِف أو باحث عن صُحبة يكتسبها بالحكي، وهي القصة الوحيدة التي تخرج عن الراهن، وتعود لزمن الحرب الأهلية الحاضرة أيضاً في روايات الجيل الجديد من الكُتّاب اللبنانيين، لأنها حاضرة في الأذهان، ينبعث طيفها مع كل توتر جديد مهما كان محدوداً، خوفاً من اندفاع البلد الصغير المتخم بمشاكله فيها، وخوفاً من أن يصير الغد صورة عن الأمس. كل هذا قبل أن نصل إلى الخواتم السريعة لكل هذه الحكايات، التي نتعرف خلالها على مصائر الشخصيات غير المنفصلة عن غرائبية يوميات البلد حيث يمكن أن يحدث أي شيء.
 
 
هناك أمران ملفتان في رواية شومان، ولعلهما جدليّان يتحمّلان آراء ستختلف بين قارئ وآخر: الأول هو الكمّ الكبير من الأخبار التي تدخل أحياناً في تفاصيل لبنانية محليّة، مثل سرقة المياه من الخزانات على أسطح البنايات ومشاكل انقطاع التيار الكهربائي وأزمة السير، وصولاً إلى مشاكل أحدث وأكبر مثل مشكلة النزوح السوري وانخراط الأطراف اللبنانية في القتال، بشكل مباشر أو غير مباشر، داخل سورية، التي لا يسميها الكاتب بالاسم، بل يكتفي بأن يطلق عليها (ما وراء الحدود)، كما لا ينسب النازحين واللاجئين إلى بلد، كأنه لا يريد التحدث في روايته عن غير لبنان، هو الذي استشهد في مطلعها بقول من كتاب (لبنان في شخصيته وحضوره) لميشيل شيحا، أحد منظّري دولة لبنان الكبير. نقرأ هذه الأخبار مقتبسة من التقارير والمقالات الصحفية، ونسمعها عبر راديوهات السيارات العالقة في زحمة السير الأبدية وراديو ضرغام المُقعد في شرفته، ونشاهدها في تلفزيونات الشقق والمقاهي، حتى أنه يمكننا تقسيم مقاطع الرواية إلى "أخبار" تقدم لنا الحدث جاهزاً، و"أحداث" نعيشها من خلالها. الأمر الثاني هو الاستخدام الكثير للغة العامية. نحن لا نتحدث هنا عن حوارات مقتضبة بين الشخصيات، بل عن حوارات طويلة تشغل صفحات عدّة وتتكرر على امتداد الرواية، يُضاف إليها ما يتم سماعه ومشاهدته بالعاميّة عبر وسائل الإعلام.
 
لكن، رغم كِبَر الحيز الذي تشغله "الأخبار" على امتداد الرواية إلا أنها متصلة بحياة الناس، وبالتالي شخصيات الرواية، اتصالاً حيوياً؛ بعضها ذو طابع أمني، والبعض الآخر متعلق بأمراض مجهولة وحالات موت مفاجئة وغير معروفة الأسباب، وهي توجه الشخصيات وتؤثر في مجرى "الأحداث"، وتكمّلها أيضاً في أحيان أخرى. كما أنها لم تأتِ جامدة على الإطلاق. 
 
انتقى لنا الكاتب باقة من الأحداث الحقيقية الغرائبية. يمكننا القول، بلا مبالغة، إنها ترتقي إلى مرتبة لا تقل عن التخييل الروائي وتقترب من الواقعية السحرية، مثل القمامة التي تطفو فوق أنهار تجتاح شوارع بيروت، والنهر الذي تلوّنت مياهه باللون الأحمر من صباغ أحد المعامل فبدا مثل نهر دم، وتمساح النيل الأفريقي الذي عثر عليه عند مصبّ أحد الأنهار. لولا أنها حدثت حقاً في لبنان، ذلك البلد العجيب، وشاهدنا وقوعها لما صدقنا أنها حقيقية، وبالتالي لو ترجمت هذه الرواية إلى الإنكليزية مثلاً كما ترجمت (ليمبو بيروت) لما صدق القارئ الأجنبي أن كثير من الأخبار الواردة في الرواية حدثت بالفعل. وبخصوص الأمر الإشكالي الثاني، ولأن المسألة فيما يتعلق باستخدام اللهجة العامية تتحمل الآراء والنقاش أكثر من غيرها، نسأل: أما زال استخدام اللهجات العامية، وإن كان واسعاً، مشكلة في هذه الأيام؟ برأينا الجواب لا، لأننا في عصر الفضائيات العربية التي تعرض المسلسلات باللهجات العربية كلها بحيث صارت هذه اللهجات مفهومة ومستساغة، كما أننا في زمن الفيسبوك الذي تعودنا أن نقرأ على صفحاته منشورات مكتوبة بالعامية، ويجب ألّا نُغفل هنا أن في العامية شيئاً يتم فقدانه لو حوّلنا الكلام ذاته إلى الفصحى، شيئاً من العفوية والتلقائية والحيوية، خاصة في الحوارات.
 
 
يمكننا القول إن الكاتب استفاد بذكاء من أمرين كان يمكن أن يسجلا كمآخذ على روايته، محوّلاً إياهما ليساهما في إكسابها سلاسة في القراءة، وليغنيا حكايته متعددة القصص، ليتابع هلال شومان في (كان غداً) مساره الروائي الصاعد والمبشر، الذي بدأه بداية متواضعة في باكورته (ما رواه النّوم)، ويجعلنا نترقب جديد هذا الاسم الشاب.
 
ضفة ثالثة
25-10-2017