"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


في كواليس الكتاب: قصّة "خطّ أحمر"

date: 
Thu, 03/22/2018
كتاب "خطّ أحمر"، لمؤلّفته سمر محفوظ برّاج، من كتب الأطفال العربيّة النادرة الّتي وصلت إلى الطبعة السادسة في أقلّ من أربع سنوات، دون أن يكون موضوعه دينيًّا أو تدريسيًّا. فاز بجائزة "كتابي" للعام 2015 وتُرجم إلى اللغة التركية. تجاوز محاظير الأهل والمربّين على غير عادة الكتب الّتي تتطرّق إلى مواضيع حسّاسة، ووصل إلى يد الآلاف من القرّاء العرب الصغار والكبار بنجاحٍ ملفت. محوره المحرّمات، من معناها العام كحدود الوطن، إلى معناها الدقيق الّذي لا يقلّ خطورةً وأهميّةً، وهو خصوصيّة الجسد. سألنا سمر برّاج عن حيثيّات "خطّ أحمر" وعن ردّات فعل قرّائه، إليكم ردّها.
 
راودتني فكرة كتابٍ للأطفال يعالج مسألة التحرّش الجنسيّ. الموضوع حسّاس ومهمّ، وما نسمعه عمّا يتعرّض له الأطفال يجعل من الضروري التطرّق إليه وكسر "التابو" الّذي يرافقه.
 
إن سلّحنا الطفل بالوعي اللازم وشدّدنا على أهميّة المصارحة والاستفسار وعدم السكوت، نجنّبه مواقف تتسبّب بأذيّته ليس فقط جسديًّا وإنّما نفسيًّا أيضًا
 
هذا ما نويتُ التركيز عليه عندما قرّرت الكتابة عن الموضوع، لكنّني أردته كتابًا يوعّي الطفل وفي الوقت نفسه لا يخيفه، يقويّه ولا يظهره كضحيّة، ولا يعتمد على الوعظ ومجرّد توجيه التعليمات.
 
مرحلة الكتابة:
 
لم تكن الكتابة عن الموضوع سهلة. فقد تجنّبت سرد حادثة حصلت فعلًا مع أحد الأولاد لأنّ ذلك قد يخيف الطفل. وقمت محاولات عدّة قبل أن أتوصّل إلى المدخل المناسب، وهو مفهوم "الخطّ الأحمر"، فبدأت قصّتي بحوارٍ يدور بين مازن وأمّه عن العمّ باسم:
 
"ماما، سيدهن العمّ باسم مكان سيّارته باللون الأحمر، سمعته يقول: "المكان الّذي أوقف فيه سيّارتي خطّ أحمر!" وكان غاضبًا. لمَ الأحمر؟ هذا اللون يذكّرني بالامتحانات!"...
 
تلك كانت الفكرة الّتي انطلقتُ منها ثمّ انتقلت تدريجيًّا من العام إلى الخاص، من مفهوم الوطن والبيت والعائلة وصولًا إلى جسم الطفل الّذي هو أيضًا خطٌّ أحمر وممنوع الاقتراب منه!
 
خلال كتابة النصّ شعرت بمسؤوليّة كبيرة وكنت حذرة جدًّا.
 
وضعت نفسي مكان الطفل وفكّرت بتأثير كلّ عبارة وكلّ كلمة عليه. كان كلّ همّي أن لا يشعر بالذعر والخوف من الكبار فلا يفرّق بين مَن يريد له الخير ومَن قد يؤذيه. عملت أيضًا على إضافة روح الفكاهة في بعض الأجزاء لتلطيف النصّ نظرًا لجديّة الموضوع.
 
استغرقت عمليّة الكتابة حوالي الشهر بين مراجعة وتعديل. بعد الانتهاء من الكتابة، عرضتُ النصّ على الاختصاصيّة النفسيّة السيّدة بولين ندجاريان فأعجبتها طريقة المعالجة ووجدتْ أن لا شيء في النصّ من شأنه أن يؤثّر سلبًا على نفسيّة الطفل، بل على العكس القصّة ضرورية، ستفيده وتوعّيه. على الرغم من الكلام المطمئن الّذي سمعته منها وإيماني الكبير بالموضوع وبأهميّته، كنت قلقة من ردّات الفعل ولم أجرؤ على قراءة النصّ للأطفال للأخذ برأيهم كالعادة، اكتفيت بقراءته لأشخاص مقرّبين منّي فأحبّوه وأجمعوا على ضرورة نشره.
 
الرسم والنشر:
 
عَرضتُ النصّ على دار الساقي فأبدوا إعجابهم به، لكن في الوقت نفسه، كان هناك قلقٌ من إمكانيّة عدم تقبّل الأهل والمربّين للموضوع، كونه يُعتبر من المحرّمات، وأيضًا تساؤلٌ عن كيفيّة تنفيذ رسوم ملائمة لنصّ عن "التحرّش"... على الرغم من أنّ الأمر اعتُبِر نوعًا من المجازفة، كان هناك إيمانٌ بضرورة تقديم نصٍّ للصغار يعالج هذه المشكلة، وأيضًا رغبةٌ بفكرة التحدّي، فجرى الاتّفاق على إصدار الكتاب.
 
قامت الرسّامتان منى يقظان وميرا المير بتنفيذ الرسوم، فنجحتا في التعبير عن مضمون الكتاب الحسّاس بشكلٍ مناسب للطفل ودون أيّ خدش للحياء، كما ركّزتا خلال عملهما على استخدام الألوان الزاهية واعتماد الرسوم الفرحة الّتي دعمت النصّ وأضافت إليه من دون أن تخيف الطفل.
 
صدور الكتاب:
 
بعد صدور الكتاب كانت المفاجأة! كان الإقبال عليه كثيفًا فنفدت الطبعة الأولى في خلال بضعة أشهر.
 
تبيّن لنا جميعًا أنّه كان هناك حاجة ماسّة لكتاب من هذا النوع، فعددٌ كبير من الأهل والمربّين يودّون فتح موضوع التحرّش وحماية الجسد مع الأطفال لكنّهم يواجهون صعوبة في إيجاد المدخل المناسب. جاء هذا الكتاب ليوعّي الطفل بأسلوبٍ بسيط وسلس، فيعطيه الجرأة والقوّة لمواجهة الموقف لو حصل معه ويشجّعه على التحدّث عنه بلا خوف ولا خجل ولا شعور بالذنب.
 
تجدر الإشارة إلى أنّه في كلّ مرّة كان يُعرَض فيها موضوع الكتاب على مدرسة ما، وبمجرّد ذكر عبارة "تحرّش جنسيّ"، الإجابة الأولى كانت الرفض بحجّة ردّة الفعل المُحتملة للأهل، لكن بعد الاطّلاع على مضمون الكتاب من قِبل المعلّمات كان القلق يزول وغالبًا ما كان يُطلب منّي إجراء لقاء حوله مع التلاميذ.
 
قراءات وردود فعل:
 
أجريت قراءاتٍ عديدة لكتاب "خطّ أحمر" لأطفال في مناطق عدّة، في مدارس ومكتبات ومراكز اجتماعيّة تضمّ أطفالًا من بيئات مختلفة، وقد تفاعل الأطفال مع الكتاب بشكل جميل. بعد القراءة كنت أتحدّث معهم وأسألهم إن كان قد حاول أحد التقرّب منهم، ثمّ أجري معهم نشاطًا فنّيًّا وتمثيليًّا.
 
في أكثر من مرّة، على الأقل 5 أو 6 أطفال من المجموعة أخبروا عن مواقف أو حوادث بسيطة حصلت معهم ولم يكونوا يعرفون أنّها ربّما كانت محاولة أو بداية محتملة لتحرّش. فإمّا أن يقترب منهم أحد ويطلب منهم مرافقته، أو يطلب منهم الصعود معه في السيّارة ليأخذهم في نزهة، أو يطلب منهم أن يدلّوه على مكان ثمّ يطلب منهم الصعود معه ليعطيهم الحلوى، أو يقدّم لهم البوظة ويطلب منهم مرافقته، أو يدقّ عليهم الباب في غياب الأهل ويحاول إقناعهم بضرورة فتح الباب، أو يلحق بهم في الشارع، وغير ذلك... وفي رأيي أنّ مَن حصل معهم أكثر من ذلك لا يخبرون عن الأمر.
 
في مرّات عدّة كنت ألاحظ نظرات المعلّمات الّتي تحمل دهشة واستغرابًا، وكأنّهنّ لا يصدّقن أنّ كلّ هذه الأمور حصلت فعلًا مع تلاميذهنّ.
 
 من بين كلّ اللقاءات، هناك لقاءان لا أنساهما. الأوّل حين قرأت الكتاب لمجموعة من 25 طفلًا في إحدى القرى، فعندما بدأت النقاش معهم، تحدّث 6 منهم، صبيان وبنات تعرّض كلّ واحد منهم لحادثة. والملفت في ذلك اليوم أنّ ثلاثة من الصبيان بعمر 9 سنوات أخبروا عن شخص في سيّارة عرض عليهم الصعود معه، كلّ على حدة وفي أوقاتٍ مختلفة، وعندما سألت كلّ واحد منهم عن مواصفات الشخص تبيّن أنّه نفسه، من خلال وصف كلّ منهم لشكله وذكر نوع سيّارته ولونها ونوع زجاج السيّارة. والملفت أنّ الأطفال الثلاثة لم يعطوا في حينه الأمر أيّ أهميّة ولم يخبر أيّ منهم أهله بذلك.
 
والمرّة الثانية كانت حين أجريت لقاءً مع مجموعة من الأمّهات ضمن نشاط نظّمته إحدى الجمعيّات في منطقة مستوى التعليم فيها متدنّ بين الأهالي. قرأت الكتاب وتحدّثنا عن كيفيّة توعية الأطفال من موضوع التحرّش، وعندما سألتُ الأمّهات إن كانت لديهنّ أيّ حالة يرغبن بمشاركتها والتكلّم عنها، لم أحصل على إجابة. لكن بعد انتهاء اللقاء فوجئت بعدد من الأمّهات يطلبن التحدّث إليّ على انفراد، وكانت الحالات الّتي ذكرنها فعلًا محزنة، فمعظمها كان عن تعرّض أطفال للتحرّش، أحيانًا من أشخاصٍ مقرّبين، وعن التأثير النّفسي جرّاء ذلك عليهم. والمؤسف أنّه في بعض الحالات تكون الأمّ عاجزة عن التصرّف لحماية ابنها أو ابنتها لأسباب عديدة...
 
وصلني من عدد من المعلّمات وأمينات المكتبات ردودَ الفعل الإيجابيّة لدى الأهالي بعد قراءة الكتاب وإجراء أنشطة حوله مع الأطفال. وأخبرتني إحدى المسؤولات أنّه في اليوم الذي تلا قراءة الكتاب، حضر والد إحدى الفتيات وأخبرَ أنّ ابنته حدّثته عن الخطوط الحمر الّتي يجب أن يحترمها الكبار لدى الصغار، ممّا فاجأه وأفرحه في الوقت نفسه، لذا حرص على زيارة المكتبة للاطّلاع على الكتاب ولشكر أمينات المكتبة على اهتمامهنّ بتوعية الأطفال على هذا الموضوع الحسّاس والمهمّ.
 
كانت القراءات واللقاءات حول هذا الكتاب إضافة إلى النقاشات مع الأطفال مهمّة جدًّا، فقد ساعدت في تذكير ولفت نظر بعض الأطفال إلى أمور حصلت معهم كانوا يعتقدونها بسيطة وعابرة، كما ساهمت في الوقت نفسه في توعية وتنبيه باقي الأطفال الذين سمعوا ما أخبره رفاقهم به.
 
في أغلب الحالات يعتمد من يحاول التحرّش بالأطفال على عنصرين مهمّين، هما جهل الطفل وعدم درايته، وخوفه من التحدّث عن الموضوع خاصّة إذا كان المعتدي مقرّبًا منه وأكبر منه سنًّا.. أغلب الحوادث تحصل مع الأطفال أثناء اللعب قرب البيت، أوعندما يذهبون لوحدهم إلى الدكّان وخصوصًا في أوقات متأخّرة، أو أثناء عودتهم سيرًا على الأقدام من المدرسة أو النادي إلى البيت.
 
فلنسلّح أطفالنا بالوعي والجرأة لأنّهم قد لا يكونون دائمًا في أمان...
 
الإقبال على هذا الكتاب وصدور الطبعة السادسة منه أكبر دليل على الحاجة الماسّة لمقاربة المواضيع الحسّاسة دون خوف. من المهمّ عدم وضع القيود على الكاتب والناشر في عصر أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع بسهولة، بحجّة الخوف على الطفل والرغبة في حمايته، خصوصًا إذا كانت فكرة الكتاب من شأنها أن تُزيل هذه المخاوف وتعلّم الصغار كيف يحمون أنفسهم.
 
 سمر محفوظ برّاج
 
مرسال
العدد الثاني - شتاء-ربيع 2018