"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


في "جرح المعنى": هكذا يُقرأ الشعر

date: 
Wed, 04/11/2018
حين قرأنا كتاب أدونيس "مقدمة للشعر العربي" بُعيد صدوره في عام 1971، دُهشنا أيما دهشة، فلم نكن اعتدنا، آنذاك، قراءة القصيدة العربية بتلك الرؤيا الثاقبة، وبذلك العمق والشمول والإحاطة، أو بتلك الذائقة الشعرية التي تتمرد على المألوف والمعروف. وقد علّمنا الكتاب كيف نقرأ الشعر العربي بعينين جديدتين حقاً. وعندما صدر ديوان أدونيس "مفرد بصيغة الجمع" في عام 1973 اكتشفنا كيف يكون الشعر الخالص؛ فالشعر ليس مجرد كلمات مرصوفة وراء الكلمات المصفوفة (العَروض والمصراعين)، إنما هو رحيق الكلام وعطره، كالوردة التي لا يمكنها النماء كنبتة من دون التراب والماء والهواء والضوء (العناصر الأربعة). لكن الوردة لا معنى لها في نهاية المطاف من دون عطرها، ولا شيء يمنحها جمالية غير عطرها. هكذا يكون الشعر إذاً، إنه عطر الكلام وليس الكلام. وعلى هذا الغرار يعلّمنا كتاب "جرح المعنى" لخالدة سعيد (بيروت: دار الساقي، 2018) كيف نلج عالم أدونيس الشعري، وكيف نقرأ "مفرد بصيغة الجمع" ولو بعد خمس وأربعين سنة على صدوره؛ ذلك الديوان الذي صارت القصيدة العربية بعده غير ما كانت عليه قبله.
 
 إن "مفرد بصيغة الجمع"، بحسب خالدة سعيد، وهي رفيقة أدونيس في دروب الثقافة والإبداع والحياة والمنفى،  هو الأقرب إلى الجنون من حيث هو "جرح المعنى"، ومن حيث تمرده على المقاييس والمعايير، وهو إلى ذلك عنوان يمتنع على التفسير والوضوح (ص20). هنا، سأجازف بالقول إنني حين قرأت "مفرد بصيغة الجمع" أول مرة تراءى لي أن الله هو المفرد والمنفرد بذاته، وهو يظهر للعالم من خلال الوجود المتعدد. إنه مجرد تفسير لما لا يجوز تفسيره، لأن التجربة الشعرية لدى أدونيس تقودنا إلى عالم يستحيل اكتشافه بالمعاني المباشرة، ويصبح من العبث أن نحاول العثور على تفسير للعبارات المفعمة بالرموز والمجاز، ففي الواحد تصطرع أمواج التمزق، وفي المتعدد تشتعل أشواق الوحدة (ص51).
 
   لا شيء في شعر أدونيس ينتهي إلى وضوح وختام. الحرية هي أساس الكينونة، وهي حرية تتمثل في اللعب وغيبة اليقين وملاقاة المصير المفتوح، والولادة المتجددة. والشعر لدى أدونيس فضاء لا نهائي تتلاقى فيه الأزمنة والأمكنة والأحوال والتحولات والرموز والإشارات ليشكل ذلك كله شلالاً من الكلمات والألوان والصور. وشعر أدونيس مفعم بالمجاز. والصورة الشعرية لديه – بحسب خالدة سعيد – لا تحاكي أي أصل أو تزين أي حالة، وليس لها مرجع يمكن ردها إليه. إنها موجودة في ذاتها، وهي لا تبغي المقارنة أو التشبيه، وليست ترجمة لفكرة، أو وصفاً لحالة، إنها ابتداع حالة وابتداع علاقة. وأبعد من ذلك فإنها لا تصل إلى أي خاتمة، بل تذوب في اللانهائية (ص126)، ثم إنها تكثيف لعالم من الغرابة والحلم والمحال، وخرق لما هو ثابت بما في ذلك قوانين الطبيعة، الأمر الذي يشبه، من باب المقارنة البسيطة، الرسم الذي نشأ في البداية لمحاكاة عالم الأرواح من خلال التخيل، أي تحويل غير المرئي إلى المرئي، على غرار التجربة الصوفية التي أقامت صلة بين اللامرئي والمرئي؛ بين الله والإنسان. فالعالم لدى الصوفية هو تجلي الله في الموجودات. ومن صفات التجربة الصوفية الغرابة والتخييل واللامعقول، وهي صفات الشعر أيضاً. وبهذه المقاربة فإن شعر أدونيس يتداخل ويتخارج مع التجربة الصوفية في غير شوط من أشواط العملية الابداعية.
 
النبؤة والمراثي
 
 سأستعير من خالدة سعيد رصدها التحولات في الرؤى الإبداعية لدى أدونيس حين تقول إن ديوان "أغاني مهيار الدمشقي" (1961) كان مرصوداً ليكون نشيداً نبوياً، وإن ديوان "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل" (1965) كان مراثي لهذا العالم، وتضمنت مجموعة "هذا هو اسمي" (1968) رؤيا ثورية. لكن أدونيس خرج من ذلك كله في "مفرد بصيغة الجمع" إلى المجاز المحير والغامض والغرائبي، وهو ما تعبر عنه انشطارات الأنا ومرايا الذات. و "مفرد بصيغة الجمع" لا رسالة لديه، ولا دعوة ولا مشروع عبرة واعتبار، بل الكشف والحفر على الأعماق وما تختزنه. لا صوت تعليمياً كما في التقليد، ولا نبوياً رسالياً كما في "أغاني مهيار الدمشقي"، ولا التماسَ لحقيقة خالصة، ولا تصويرَ للهول والفوضى أو الخراب الحضاري كما في "مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف"، ولا تأملَ في التاريخ أو رؤيا لزمن الإنسان وأحواله كما في "الكتاب: أمس المكان الآن" (1995)، هذا كله لا يحضر إلا بروقاً وأمواجاً عبر زلزال الداخل (ص17). وتتساءل خالدة سعيد: "ما الشعر إن لم يكن طريقاً إلى المحيّر الغامض، بل الخارق المتعدد المتجدد؟". وتضيف: إن أدونيس كان دائماً يتحدى الأعراف والتقنيات الشعرية واللغة الشعرية المألوفة، واللغة لديه تتحرر من مرجعياتها الدلالية واللفظية، فتنزاح الكلمات عن دلالاتها.
 
 
 
 قصائده مخاض في سيرورة اكتشاف الذات الضائعة في العالم، وكل مخاض فيه ألم. وفي معمعان هذا الألم الأبدي يمتطي الشاعر، مركبة المجاز المنفلت من كل قياس، فيخترق حدود المنطق، ويخرج على مدار المعقول والمألوف. ونصوصه تفتح عالماً من التأويلات التي لا تنتهي ولا تنفد، كأنها كتاب مقدس قديم تتوالى تأويلاته بلا توقف. وشعره يشبه قشعريرة الولادة الأولى وهذيانات الخلق الأول والنبؤات البدائية، ويُبطل انفصال العالم عن الآلهة، ويحوِّل الكون واحداً.
 
 
 
الجرح والأسطورة
 
 يقول أدونيس في "مفرد بصيغة الجمع": لم تكن الأرض جسداً، كانت جرحاً. وتقول خالدة سعيد في "جرح المعنى": "في البدء كان الجرح لغز البداية الذي تبارت الأساطير والأديان في صياغة حكاياته، والجرح يغدو هنا أصل العالم والتاريخ ومفصل التحول. وكل عمل فني مبدع هو، في آن واحد، صرخة جرح وردم غياب. كل عمل فني هو لغة تداوي النقصان". وتقول أسطورة الخلق: في البدء كان الخواء. ثم خلقت أم الكون "غايا" نقيضها أورانوس أو السماء المذكرة من ذاتها، ثم ضاجعته فأنجبت ابنها كرونوس. ولأن أورانوس (السماء) كان مطبقاً على غايا (الأرض) الأمر الذي يحول دون أي خلق جديد، أمرت غايا ابنها كرونوس بإرغام أورانوس على الارتفاع عن غايا. وهكذا انفصلت السماء عن الأرض، وفغر بينهما الخلاء، وكان الخلاء أول جرح في هذا الكون. وتروي قصة الخلق السومرية كيف أن الإلهة "نمو" أنجبت من ذاتها "آن" و "كي" وكانا ملتصقين. وقد تزوج آن اخته كي فأنجبا إنليل إله الهواء الذي ظل محصوراً بين أبويه. ولما لم يطق البقاء على تلك الحال قام بإبعاد أبيه عن أمه، فرفع آن الذي صار إله السماء المذكر، وبسط كي التي صارت إلهة الأرض المؤنثة. وهذا هو الجرح السومري. وتقول التوراة: في البدء كانت الأرض خربة وخالية وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن جَلَد في وسط المياه، وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجلد، ودعا الله الجَلَد سماء (سفر التكوين). وفي إنجيل يوحنا نقرأ: في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله، والكلمة صارت جسداً، وحلّ بيننا. ويقول أدونيس في "مفرد بصيغة الجمع":
 
                                وكانت الأرض
 
                                وانتصب ابنها في الهواء
 
                                مالكٌ ملكه والأرض والسماء
 
                                جسده الأقاليم، عروقه الأنهار
 
                                ويداه جناحان يمشي بهما في الفضاء
 
                                أُخرج إلى الأرض أيها الطفل
 
                                وانتصب ابنها في الهواء
 
                                حيواناً في الغذاء والشهوة
 
                                ملاكاً في العلم والكشف.
 
                                أُخرج إلى الأرض أيها الطفل
 
                                تهيأي أيتها العناصر، استجيبي أيتها المادة.
 
                                أُخرج أيها الطفل
 
                                خرج علي
 
                                يرسم حقل خطواته سنابل،
 
                                شجراً، ينابيع.
 
يوميء أدونيس للعناصر فتتهيأ، ويأمر المادة فتستجيب. أَليس هو أدونيس إله الموت والانبعاث في سوريا القديمة؟ أَليست ولادته ولادات لا تكف عن القيامة والتجدد؟ لكنه بدلاً من أن يعيد الجرح الكوني الأول، أي فصل الأرض عن السماء، يقيم عرساً لالتحام الأرض بالسماء:
 
                                تعري شجرة الورد
 
                                التحفي بالقمر
 
                                إنزل أيها السيد القمر
 
                                التحف بشجرة الورد
 
                                وضعنا لك سُلّماً،
 
                                جعلنا قدم الوردة آخر درجاته
 
                                من أجل أن نشهد عرس السماء والأرض.
 
 
 
 الأسطورة في شعر أدونيس أغنى من التاريخ في الرمز والإيحاء، وهي أرحب أفقاً وأكثر تحرراً من قيود الزمن. وكادت الثورة العلمية والنهضة العقلية قبل نحو ثلاثة قرون أو أكثر أن تقضي على الأسطورة وبهائها، وتمكنت، إلى حد كبير، من إقصائها عن منزلتها السامية، وأنزلتها إلى مرتبة الحكاية المسلية (Fairy Tale). لكن الحركة الرومانسية أعادت الاعتبار للأسطورة، واعتبرتها أصلاً للفن، ولا سيما للمسرح والتمثيل والغناء، وحتى للدين بصفته تجربة إنسانية ثرية. وبهذه الرؤية ردّت الرومانسية على جفاف العلم وعلى برودة العقل باكتشاف الجماليات في الميدان الأسطوري القديم. وهنا، في هذا الحقل المعرفي والجمالي، يمكن اعتبار أدونيس، ابتداء باسمه السوري القديم وانتهاء بشعره الحديث، وارثاً لذلك الميراث الأسطوري العظيم وللتاريخ الميثولوجي الفسيح الذي عرفته بلادنا قبل نحو سبعة آلاف سنة على الأقل، وكذلك وارثاً لوجه من وجوه الدين الجوهرانية، أي نصوصه الميتافيزيقية الخارقة التي تحتوي حكايات أسطورية مذهلة ورؤى ميثولوجية شتى. لكن الفارق بين الأسطورة والدين هو أن الأسطورة تتضمن وجود الآلهة بين البشر، بينما الدين يعني فصل الله عن العالم. وقد ردمت المسيحية الآرامية هذه الفجوة بالمسيح المتجسد، وملأها المعتزلة العرب والملاحدة العرب بفكرة العقل، وها هو أدونيس ما برح يردمها منذ نحو سبعين سنة بالشعر.
 
الصورة والمجاز واللغة
 
 جوهر الكائن عند أدونيس حركة وتوتر بلا سكون ولا نهائية أحوال؛ إنه انشقاق داخل الكلي ذاته. والواحد هنا، بحسب خالدة سعيد، ليس نفياً للعدد أو للآخر، بل هو جامحُ عكسه، جانح نحوه في آن واحد. ومن غير الممكن التماس النار في جدلية الانشطار والاتحاد إلا بالمجاز، وأحياناً بالتدفق الهذياني للمشاعر، وفي أحيان أخرى بالغرائبية:
 
                                النار تضرم النار
 
                                وأنا الماء يلهو مع الماء
 
                                                **
 
                                أنا الطريق والعابر
 
                                                **
 
                                أنا الصارية ولا شيء يعلوني
 
                                                **
 
                                تاماً و بي نقص
 
                                منظوماً وكلي انتثار
 
إن التضاد في شعر أدونيس، خصوصاً استعماله المفردات "المتعاكسة" أو المتقابلة كالسفر والإقامة، والجسد والجرح، والظل والقامة، والسكون والحركة، والجوهر والعرض، والماء والنار، والغياب والحضور، إنما هو عميق التواشج مع الفلسفة والتصوف وحتى الكيمياء. وهذا التضاد كالمنائر البعيدة يومض بوحدة الكائن وانقسامه في آن، ويشير إلى تمثلات الكينونة كما تتجلى في عبارة صافية هي "مفرد بصيغة الجمع". وأشعار "مفرد بصيغة الجمع" مولودة في حضن المجاز حيث يغدو الشعر فيه نقضاً لقانون أساسي من قوانين البلاغة الكلاسيكية التي تفترض شيئاً من التناسب بين اللفظ والمعنى. والمجاز هنا، بحسب خالدة سعيد أيضاً، يطلق العلاقة من المحدود المعقول، ويحرر التحول، لتغدو كل دلالة إحالة إلى دلالة جديدة أو بحثاً عن دلالة لا في عمقها وأفقها فحسب، بل في أفق متجاوز. والصورة هنا ليست بنت المنطق البلاغي والنظام المتفق عليه، بل هي تستحضر ما يخرق النظام وما يمتنع حتى على التأويل.
 
  نعم. الصورة لدى أدونيس مجاز خالص، كالحلم الذي تتبعثر فيه العناصر والهيئات والخيالات كلها، فهي لا ترسم ما هو قائم، بل تترسم ما ليس بموجود. والمجاز يفتح الكلمات المتناهية على المعنى اللامتناهي. والمجاز في نهاية المطاف هو الطريق إلى الوضوح. هذا هو أدونيس، وهذا هو اسمه كما قرأته خالدة سعيد، من داخل نصوصه لا من خارجها، بلغة رفيعة تكاد تلامس شعره أو توازيه في الكثافة واللطافة والعمق والأفق والسمو والعلو.
 
ضفة ثالثة
14-05-2018