"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


في 'الحي الخطير' أي اندفاع عاطفي يحيل أخوين إلى عدوين

date: 
Thu, 05/04/2017
  • تختلف الرواية عن التاريخ الرسميّ بأنها تتيح لصوت الفرد أن يعلو في وجه المؤسسة، هي نص يحتج وينتصر للمهمّشين، للمصنفين خارج الأنظمة السياسية والاجتماعيّة، فالرواية ترفض أنظمة تشكيل المعنى الرسميّة وتشكّك في صحتها، هي لعب شقيّ في وجه صرامة الرسمي.

في عوالم الرواية غالبا ما نرى أنفسنا أمام نصوص يدوّنها أولئك الآخرون الأعداء، المنفيون الذين يتربصون بنا لكوننا نقبل التصنيفات الرسميّة، لنقف مذنبين بمجرد كوننا صامتين، فالنص الروائي يبتعد عن السعي إلى طلب العدالة، ليكون هو شبح الانتقام الذي لا بد أن يتجلى يوماً ما.

يقبع مراد في زنزانته المنفردة، تتباطأ أنفاسه ويدخن سيجارته راسماً ابتسامة على شفتيه، وشيئاً فشيئاً تكشف الجدران عن ذكريات من سبقوه فيها، لتبدأ بعدها سلسلة الذاكرة بالتكون أمامنا على لسانه، لنقرأ عن حربه ضد حيّة ونفسه والجميع، ولندخل معه خفايا عوالم أشبه بالكوابيس في حيّ مهدد بالانهيار، هذه الذاكرة المثقوبة لمراد نقرأها في رواية الكاتب المغربي محمد بنميلود بعنوان "الحيّ الخطير".

نرجسية السرد

نقرأ الرواية، الصادرة هذا العام عن دار الساقي بالتعاون مع مختبر آفاق للرواية، بلسان مراد، يحدثنا عن خسارته لأصدقائه وكيف انتهى به الأمر سجينا في زنزانة. يحكي لنا بعد ذلك عن أسرته وخصوماته مع من حوله وتحوله إلى شقيّ يقتل ويسرق ويدخن الكيف، فالسارد في “الحي الخطير” يعي ما يفعل، فعل الإخبار الذي يقوم به ينطلق من دوافع ذاتيّة، لا بد من أن تتجلى الحكاية ولو ضمن أربعة جدران دون “سامع/قارئ” متوقع، وهنا تكمن حساسية السرد النرجسي.

فمراد يولّد “روتين” السرد الخاص به والذي يشبهه وحده، إذ لا يمكن لهذه الحكاية أن تروى إلا على لسان مراد، دون ذلك ستنصاع لأنظمة سرديّة تحول مراد إلى ضحيّة للأنظمة ذاتها التي تجعله مثيراً للشفقة والتعاطف لا كائناً غاضباً يدعونا إلى التحرر.تقنيات تكوين المعنى التي تحيل إليها الرواية تعكس تجربة مراد نفسه وصوته الذي يختلف حسب مسافته الشخصيّة من كل حدث في الحكاية، فالراوي يحيلنا إلى جسده لنتلمس ثناياه وندوبه، أما تسلسل بناء الأفكار والأحداث فمرتبط بالسارد نفسه باعتباره بشرا. أما اختيار الحكايات وأيها يستحق أن نسمعه فنابع من موقف نرجسي لا سياسيّ، فالسرد النرجسي يحاكي الألعاب الإنسانية، لنقرأ تجربة مفتتة أشبه بالذاكرة التي تتداعى على لسان الراوي الرافض للأنظمة التقليدية لبناء العلاقات التي انتهت به سجينا في زنزانة.

تختلف العلاقات بين شخوص الرواية عن العلاقات التقليدية، فصلات الدم والعلاقات الأسرية منهارة، إذ نحن في حي طبيعته قائمة على أساس العنف من جهة، وعلى أساس الرفض من جهة أخرى.

أنظمة السيطرة التي تشكل العلاقات بين الأفراد بدائية حسب التوصيف “الصحيح سياسياً”، لكنها ترسم المصالح بين الأفراد وتجمعهم لأنها ناشئة نتيجة الانهيار والهشاشة التي يمكن لأي اندفاع عاطفي أن يحول أخوين إلى عدويّن، ما يجعل عوالم الرواية قائمة على الافتراس والذبح، فالبقاء حقيقة للأقوى والأشدّ صلابة وقدرة على تحمل الطعنات وغارات العصابات الأخرى.

للفرار، وفي أحيانٍ أخرى تولّد عنفاً جديداً، تصهر من تلتهمهم لتنبعث من رمادها وحوش أشد ضراوة، فالنار لا تنطفئ وتغذي جوهرها كلما التهمت أجسادا جديدة.

سيناريوهات الانهيارات

تمتلك شخوص الرواية سيناريوهات مستقبلية عن حياة أفضل، وتخيلات لنهاية تُوصلهم إلى السكينة التي ما تلبث أن تتلاشى تحت وطأة العنف، فمراد الذي ظن أن كتب خاله الشيوعي من الممكن أن تجيب عن أسئلته عن الظلم وغياب المساواة اكتشف أنها دفعته إلى طرح أسئلة أكثر، ليكون الانتظار وتمضية الوقت جوابا عن سؤال “ما العمل ؟” الذي كان يقرأه في الكتب والرسائل بين الرفاق الشيوعيين.

أما مغزى حياة مراد في النهاية فهو الهرب كما يقول، الهرب سواء من الكتب الشيوعية أو الحي أو أسرته أو السجن، الهرب بوصفه رفضاً، فهو يثور ضد دوره كضحية أنظمة القمع وأنظمة العصابات، إذ الهرب في حالة مراد ليس مجرد خيار بل مصير لا فكاك منه.

تتجسد أنظمة الهيمنة والقمع في الرواية بشخصية “العربي” وهو أشبه بوحش أعور مسيخ يصطاد ضحاياه، ممارساً عليهم كل أشكال العنف والساديّة ملقياً بهم بعدها في النار، هو يتسلل بين سكان الحيّ سارقاً حيواتهم بصمت، أشبه بغول عجائبي يتربص بالجميع، تحاك حوله الأساطير والحكايات إلى درجة أن البعض لا يصدق وجوده، وكأنه تجسيد حقيقي لمجاز “ضد -النظام”.

فالنظام بشكله المعروف يهيمن لخدمة مصلحته وتماسكه، أما الوحش فيقتل للقتل فقط مشبعاً رغباته، هو يمثّل بضحاياه لمتعته الذاتية، الرعب المنتشر ضمن الحكايات عنه لا يهدف إلى التأديب أو الهيمنة، على عكس الرعب والوحشية الممارسَيْن منهجياً من قبل الأنظمة التقليدية، لنرى أنفسنا أمام صراع للحفاظ على اتزان الانهيارات، لا بد من “ضدّ” يعيد تمثيل العنف المختزن في الحي، ومراد ليس إلا ضحية هذا العنف المتبادل، هو ذبيحة تتراقص بين مسخين، نظام ووحش، وبالرغم من أن “العربيّ” يموت حرقاً كما كان يقتل ضحاياه، فإنه حتما لا بد من أن يأتي غيره، فالحي بأكمله تمثيلٌ للقرين المسخ، للعالم الذي يدّعي التحضّر.

العرب | عمار المأمون