"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


خالدة سعيد تعالج تحوّلات حداثويّة في ‌«أفق المعنى»

date: 
Mon, 06/11/2018
تسْبِرُ خالدة سعيد "أفق المعنى"، وذلك من خلال تجلٍّ نقديّ حديث وجديد، يظهر فيك تابها الجديد، الصادر حديثاً، (عن "دار الساقي" في بيروت، وفي طبعة أولى 2018)، تحت عنوان: "أفق المعنى".
وهذا الكتاب هو دراسة نقدية، ترتاد فيها الناقدة أفق الحداثة العربية، الشعرية والنثرية، ارتياداً تحاول فيه الإضاءة على عدد من التحوّلات الفكرية والنصية الفنية التي حفّزها وعيُ التغيُّر، والمفارقات التي واجهت الرؤية الحديثة والموقف الحديث في الأدب العربي المعاصر، سواء منه الشعريُّ أم النّثريّ، من جبران خليل جبران وبدر شاكر السَّيَّاب ويوسف الخال، إلى نازك الملائكة ومحمد الماغوط وأبو القاسم الشّابي ومحمود درويش وغيرهم.
 
متنُ الكتاب يتألف من ستّة فصول، وهي: الفصل الأول: “الحداثة أو عقدة جلجامس”؛ والفصل الثاني: “البدايات: بين حداثة النصّ وحداثة الأفكار”؛ والفصل الثالث: “آفاق وروّاد”؛ والفصل الرابع: “طلائع التجدد في مصر”؛ الفصل الخامس: “محمود درويش هي التي هي أو أعمدة المعنى”؛ والفصل السادس: بدر شاكر السيّاب “أنشودة المطر”. وهذه الفصول السّتّة مسبوقة بـ”مدخل”، ومما جاء فيه: هل يمكن أن نتكلم اليوم على الحداثة العربية بالحماسة نفسها التي ميزت خطاب الخمسينيات والستينيات، أم أننا لم نخرج من الحلم الذي رسم مسار جيلنا؟ أو أنّ الحداثة التي تمثلت خصوصاً في الأدب وبعض الجزر والقضايا الاجتماعية مهددة بأن تواجه تيارات النكوص السياسي – الديني؟ ومهددة بالعزلة؟
 
لم أتوقف عن التفكير في ما يتيح القول إنّ الأدب العربي قد كسر نظام الرؤية القديم المستقرّ ونظام التفكير ونظام العلاقة بالزمن والتاريخ وبدأ المساءلة وشغله وعيُ الحضور في العالم. وعلى الرّغم من أن تعريفات الحداثة وامتداداتها لا تتوقف عن التجدد، تُبتدع او تُتَرجم، يبقى في مركزها تجدُّد تطلُّعات وانكسار لا نهائيات وارتجاجُ ثوابت، ومساءلات لموقع الإنسان في الكون ووصفه بأنه غايته. مع ذلك، إننا نهما تساءلنا هل الإنسان لا يزال غاية الكون، فلا بد من إدراك أنه الوحيد حتى الآن، الذي يتمثل أو يستوعب الكلّ الحاضر ويتخيّل الماضي أو يحاكمه، ويستشرف التحوّلات الآتية، الممكن منها وغير الممكن.
 
لم تكن، في هذا الإطار الواسع، مسألة تجدد الأوزان الشعرية والرؤى الشعرية، إلا تفصيلاً في سياق موكب هائل من إعادات النظر وانهيار المرتكزات الفكرية التي رسخت عبر القرون بل الأجيال.
 
هذه التفصيلات والأولويات المتعددة قد تبدلت وتتبدل في السياق الفكري لحركة الحداثة، والأصحّ تيارات الحداثة، إذ لا بد من الاعتراف بتعدّد التيارات، لكن ما يبقى حياً متواصلاً من مبادئ هذه الحركة هو حاضرية الإنسان أو بنوّته للحاضر وتفاعليّته بشروطه وعوامله قدر بنوّته للتاريخ، وامتلاكه شرعيّة التفاعل والخيار وإعادات النظر وابتكار لغة الحضور والتعبير.
 
بين أوائل الشعراء العرب الذين شغلهم هذا الموضوع جبران خليل جبران ورعيله، ولاشاعر المفكّر المصري أحمد زكي أبو شادي. ومن أوضح مواقف أبو شادي حول هذه القضية قوله في مقدمة كتابه الرئيسي الشفق الباكي: “فإن الزّمن الذي كان يُفصَل فيه ما بين العلم والحكمة والأدب قد مضى وانقضى، وأصبح الشعرُ في أجلِّ مظاهره الديوانَ الرّحيبَ الجامع لها”.
 
الحداثة هو وعيُ هذا الانزياح. هي اهتزاز الوعي بالعالم، والانتقال من صورة ثابتة نهائية للكون، وغائية أو مجرّدة غيبية، إلى كون متحرك متحوّل، وموضوع اكتشاف دائم، أو مشروع دائم للاكتشاف، قابل لأن يعيَه الإنسان وأن يتحرّك في ضوء مقوّماته وهو ما يعني التساؤل حول هذا الكون وتجديد الأسئلة والتماس الأجوبة يلا توقُّف.
 
لهذا نقول، إنّ أفق الحداثة هو أفق مفتوح، يستقبل الأسئلة والتحليل والنقض. فلا نهائيات، بل رؤى واحتمالات، إذ يمكن أن تتغير الأسئلة الكبرى ذاتها ومعها الأجوبة التي بدت نهائية يقينية.
 
ومن هنا التعارض بين الحداثة والعقائد التي ترفع الحدود الصارمة أمام الأسئلة والتصوّرات.
 
ومن هذه الشخصيات والرموز ما تقدمه الأعمال القصصية والمسرحية خاصة، بل الشعرية أحياناً، من شخصيات تنهض من المعيش اليومي، وتبقى أمينة لمراجعها، فيما تؤسطرها علاقاتها النصية أو تكسبها منزلة الرمز.
 
وهذا تحفل الأعمال الحديثة بالنماذج الأبوية الساقطة والآلهة الممسوخة والأبناء الملعونين والشخوص الممزقة أو المنفصمة والمسكونة المزدوجة أو المغيَّبة. كما تكشف النصوص عن هذا التصدع سواء على مستوى علاقة الشخصية بذاتها وبإطارها الثقافي ومحيطها، أم على مستوى السرد، وعلى مستوى بناء الجملة وبناء المشهد والحدث أو بناء القصيدة أو على مستوى الصورة والرمز، بل إن بعض الأعمال التي تشكل علامات فارقة في تاريخ الحداثة العربية المعاصرة تبدو، لدى التحليل، وفي أهم أبعادها، رسماً للهوية المتصدّعة الممزقة بين عالمين. يمكن أن نذكر “ثلاثية” نجيب محفوظ مثلاً أو أغاني مهيار الدمشقي لأدونيس، ولن والرّأس المقطوع لأنسي الحاج، وقنديل أم هاشم ليحيى حقّي، والفرافير ليوسف إدريس (مجلة المسرح، القاهرة، 1966) وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، أو قصائد حزن في ضوء القمر لمحمد الماغوط، أو هذا هو اسمي لأدونيس أيضاً.
 
هذه الأعمال ترسم الهوية بالتضاد والصراع والصدمة، ما يسمح بتلمُّس تحرُّك شاسع وعام من عالم أبوي مقدّس متعال ثابت، نحو عالم الابن أو الإنساني التاريخي، أو من الكامل المنسجم إلى المجرّح الناقص المتغيّر، أي من المرجع والنموذج، إلى البحث والحركة والابتداع، من الحكمة والعقيدة إلى التجربة والمَتاه، وفي النتيجة، من جمالية النموذج والمشابهة والسكون إلى جمالية الاختلاف والتجاوز والابتداع والحركة.
 
جنوبية
11-06-2018