"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


جريدة "الجريدة": أبناء ودماء لحفيدة الملك سعود... تناقضات الرجولة وقهر الأنثى - أحمد الجمّال

date: 
Wed, 06/30/2010

في رواية «أبناء ودماء»، الصادرة أخيراً عن دار الساقي في بيروت، ترصد الكاتبة السعودية لمياء بنت ماجد بن سعود تفاصيل علاقات مبتورة ومصير أفراد عائلة السيد حمد، المنتمية إلى طبقة الأثرياء في السعودية، وتكشف القيم البالية التي تسيّر تصرفات أفرادها والتواطؤ غير المعلن لطمس معالم جريمة قتل فتاة في ظروف غامضة تذهب بنا إلى عصر وأد الإناث.

تكمن أهمية الرواية في تعمدها كشف تفاصيل نفسية يتنازعها الخير والشر بلغة متدفقة تدفع القارئ إلى مطالعة صفحاتها دفعة واحدة ومن دون توقف، ما جعل طبعتها الأولى تنفد من الأسواق في أقل من شهر على صدورها، وتتحوّل إلى سلعة نادرة، خصوصاً أنها لم تطرح في السعودية، موطن الكاتبة، لغاية اليوم ولم يُبتّ في أمرها من الجهات المختصة هناك.

مع أن لمياء هي أميرة شابة تنتمي إلى العائلة المالكة في السعودية (حفيدة الملك سعود) إلا أنها فضلت، وفق تصريح خاص لـ{الجريدة»، ألا تشير إلى أنها أميرة سعودية، وارتأت كتابة اسمها على غلاف الرواية مجرداً من الألقاب، كي لا يتم التعامل مع كتابها من هذا المنطلق، تقول: «أنا في «أبناء ودماء» كاتبة وأديبة ويجب أن يتعامل معي القارئ والنقاد وفق هذا المبدأ وليس أكثر».

جريمة قتل

عبر خيوط درامية متشابكة تتنامى الأحداث في عائلة السيد حمد – الشخصية الهرمية التي تنطلق منها الرواية- في حقبة زمنية يستشفها القارئ من إيحاءات متناثرة وحركة الشخصيات داخل قصر في المنطقة الشرقية في السعودية، وأصداء الذكريات خلف أسواره التي تسترت على جريمة قتل، ورغبات المراهقة وعنفوان الشباب، وتمرد فتاة تبحث عن حقيقة موت توأمها في مواجهة تناقضات الرجولة، وانكسار يفضي إلى نهاية صادمة.

تستهلّ الكاتبة روايتها برصد تحولات المكان (القصر) بدلالته المتفرّدة والخاصة وترتدّ إلى زمن كان فيه «قبلة الأنظار، وملتقى وجهاء العائلات في المنطقة الشرقية في السعودية وكثيراً ما يتطلع إليه الناس على أنه لوحة معمارية فريدة».

هكذا يتبدد الحنين عبر أصداء ذكريات مؤلمة تعتري نفوس الأحفاد، وتتنامى أحداث الرواية لتسرد تاريخ عائلة عريقة «ثم فعل الزمن فعله، ونسي الناس وباتوا يتداولون حكايات أخرى عن تداعي هذه العائلة وغياب كبارهم الواحد تلو الآخر».

تصوّر الكاتبة لحظات الصعود والتألق في حياة السيد حمد، الشخصية الاستثنائية ذات الطموح الجارف، وولديه عادل وتركي وأحفاده، عبر فصول تمهيدية لحدث يبدّل مصير تلك العائلة ويسقط الأقنعة عن التشوهات القيمية التي ترسخت في نفوس هشة، بزعم التستّر على الفضيحة وإسكات الألسنة التي قد تتطاول على العائلة العريقة وتوسم تاريخها بالعار، لدى اكتشاف فداحة الجريمة التي راحت ضحيتها منال، في إشارة إلى التسلط الذكوري وقمع الأنثى، ويتجسد هذا المعنى حتى نهاية الرواية.

للوهلة الأولى، تبدو الرؤية التي تطرحها الرواية محايدة وغير مبالية، وذلك من خلال راوي عليم يسرد الوقائع والأحداث ويفتح للقارئ نافذة ليطل منها على أغوار نفوس بشرية تصارع طموحاتها وتناقضاتها، وتطرح تساؤلات حول الأخلاق والحب والحرية، وتنحاز بشكل تام نحو انعتاق الأنثى من أسر التخلّف والجمود وطغيان التسلط الذكوري، الذي بلغ ذروته في شذوذ الرغبات ومحاولات التحرش بالحرمات.

ثمة عناصر تمتدّ على مجمل أحداث الرواية، من بينها التشابك في علاقات العائلة ومصالحها الخاصة، التي أصبحت في قبضة السيد تركي بحيث يمنح الآخرين ما يشاء من دون أن يحقق العدالة، وعندما يطلب أحدهم حقه في الميراث يتصدى له بعنف، ليبقي على نفوذه وسيطرته على مقادير هذه العائلة، وتسوقه رغباته الشاذة إلى التورط في جريمة قتل منال ومحاولة التقرب من توأمها ليال.

انكسار وتواطؤ

تكشف الكاتبة تناقضات الروح من خلال شخصيات متباينة في رغباتها وصدامها، لا سيما الصراع بين ليال ذات الجمال المتكبر والروح المتمردة والتائقة إلى كشف حقيقة موت توأمها منال، وبين الانكسار والتواطؤ المتمثل في شخصية الأم التي تحلم بأنها فقدت ابنتها عند الشلال وسرعان ما يتحقق هذا الحلم، والأب الغارق في حزنه والمستسلم لهزيمته والمختفي طيلة الوقت لصنع تماثيل لابنته كبديل لفقدها، كمحاولة للتطهر من إثم التواطؤ وعدم تقصّي الحقيقة ومعرفة الجاني بحجة الخوف من الفضيحة.

من خلال إبراز الكاتبة للطقوس المتناغمة لأفراد عائلة السيد حمد ولقاءاتهم المتكررة في مناسبات مختلفة، تتضح ملامح بشر مسوقين إلى مصائرهم ورغباتهم خلف أسوار القصر وما يدور في نفوسهم، وذلك عبر حوارات باللغة الدارجة بدت ملائمة لطبيعة هؤلاء ومعبرة بتلقائية عن حقيقتهم، لتكتمل عناصر المشهد وتضاء الجوانب الخفية في علاقاتهم المحتدمة، إذ تتحدّد أواصر المكان بالزمان عبر تجسيد لهذا التاريخ اليومي للعائلة.

تبدو الرواية شديدة الثراء بشخصياتها المتباينة، وإن كانت الكاتبة اعتنت بتجسيد شخصيتين محوريتين ليال وجاسر. تتمتع ليال بذكاء لافت ورغبة في الانعتاق من أسر العادات البالية التي تكبّل الأنثى وتحرمها من ممارسة أبسط حقوقها الإنسانية، ومن الإحباط الذي تشعر به بسبب موقف والدها المتخاذل إزاء جريمة قتل توأمها منال. في أثناء بحثها المستمرّ عن الجاني تتكشف لها طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه وتطاردها رغبات السيد تركي الشاذة.

أما جاسر، الشاب المتعجرف الذي تتنازعه رغبات المراهقة، فيحاول اغتصاب منال عند الشلال ويتركها غارقة في دمائها ويصطدم بجده فتنكشف فداحة الجرم والتواطؤ بينهما، وتنتهي وقائع هذا الاعتداء الخسيس بموت الفتاة.

هكذا يتحرك جاسر بذات نزقة ورغبات بلا ضفاف، وعندما يعود من لندن بعد انتهاء دراسته، ويتسلم عمله في الشركة التي يديرها جده السيد تركي، يقابل ليال ويتودّد إليها، وينجح في تحريك مشاعرها ويدفعها إلى التعلق به حتى تصل الأحداث إلى ذروتها وتنتهي بكشف تورط آخرين في جريمة قتل منال.

جمعت الكاتبة في روايتها سمات الأدب الحداثي الذي يجعل القارئ متورطاً في الأحداث، وعلى رغم سطوع الجريمة، الحدث الرئيس، إلا أن الدهشة تطلّ علينا عبر المشاهد المتلاحقة والصادمة، فتسقط الأقنعة وتكتمل ملامح عالم شديد الخصوصية، وتتعرى قيم وعادات بالية، ليظل الإنسان، مهما اختلف الزمان والمكان، يفعل دائماً ما يخجله ويبحث عن وسيلة لستر خطاياه وحجبها عن الآخرين.

تكشف الرواية أن البسطاء هم الأقدر على إضاءة الحدث وامتلاك الحقيقة، وثمة شخصيتان ثانويتان لكنهما تؤثران في الأحداث: العم عبده البستاني وهو شاهد إثبات على ارتكاب جاسر جريمة اغتصاب منال، الدادة حميدة السيدة النوبية الأصل التي تعهدت بتربية التوأم ليال ومنال، لديها بصيرة نافذة وشحنات إيمانية بالقدر والمكتوب تمنحها لــليال في أوقات الشدة، وهي بمثابة الضمير اليقظ الذي يدق جرس الإنذار عندما ترتكن ليال إلى جموحها وتمرّدها.

وظفت الكاتبة الحوار باللغة الدارجة في انسيابية وعذوبة وتباينات انفعالية وتكثيف الأحداث المتلاحقة، لتؤكد أن السرد الواقعي ما زال الحيلة الفنية الأكثر إبهاراً وسحراً للكاتبة الروائية.

«أبناء ودماء» رواية لمياء بنت ماجد بن سعود الأولى، تتميّز بطاقة إبداعية واعدة تؤكد حضور الكاتبة المتميز في المشهد الأدبي العربي، عبر نص حلّق في أجواء شديدة الخصوصية والثراء وأسقط الأقنعة عن المسكوت عنه برؤية ثاقبة وحلم بعالم لا يخجل فيه الإنسان من نفسه.