"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


انتكاسة الانتفاضة العربية: أعراض مرَضية

date: 
Tue, 05/29/2018
1
 
يبدو أن جلبير الأشقر** اشتق اسم “الأعراض المَرَضية” للانتفاضات العربية، من مقولة لغرامشي ذكرها في مقدمة الكتاب، وهي أن الأزمة تتلخص في “أن القديم يموت، والجديد لا يستطيع أن يولد، وفي هذه الفترة تظهر أعراض مَرَضية شديدة التنوع”، تعوق مسيرة الحرية للشعوب الثائرة، كما نراها في الربيع العربي.
 
ويعمل هذا الكتاب على ملامسة الواقع الراهن للانتفاضات، في كل من سورية ومصر وباقي البلدان، وما نتج عنها من مآسي حتى العام 2016.
 
وقد واجهت الانتفاضة السورية، بعد انتقالها إلى السلاح بفعل الهجمات المتكررة بالسلاح من قبل النظام على التظاهرات السلمية، مشكلتين أساسيتين: الأولى تفوّق النظام عسكريًا مدعومًا من حلفائه. والثانية، الحاجة إلى المال والعتاد العسكري. وكانت كل من السعودية وقطر وتركيا جاهزة لتقديم هذه المعونات، بدافع طائفي، مقابل إيران وميليشياتها الداعمة للنظام.
 
وتتحمل أميركا المسؤولية الكاملة عن عدم تقديم المعونة الحقيقية للمعارضة، وخاصة صواريخ (أرض-جو)، وغيرها، بذريعة عدم وقوعها بيد الإرهابيين القاعديين، وعدم وجود كادر فني حقيقي يقوم باستعمالها. كما يدعي أوباما. إلا أن هذا الأمر سمح لـ (داعش) و(النصرة) بالبروز في الساحة، أمام النظام، الذي لعب دورًا في إنشائها، بحيث أصبحت (داعش) هي العدو المفضل للنظام والقائل: “إما أنا، أو داعش والنصرة”. وتمّ رفض ضرب النظام السوري من قبل أميركا، حتى بعد استخدم الكيمياوي، بذريعة ضرورة الحفاظ على الدولة السورية ومؤسساتها، كي لا تصبح مثل العراق وأفغانستان.
 
ساهم الدعم المتعدد للمعارضة العسكرية في تجزئتها وتناحرها، وهذا أحد الأسباب الرئيسة لفشل “الجيش السوري الحر”. وحين تم –أيضًا- تشكيل المجلس الوطني، أو الائتلاف الوطني، الذي يوصف بـ “الخمس نجوم”، نتيجة الفساد الذي بدأ يتبخر من عظام المنتسبين إليه.
 
ومن الطبيعي أن يكون اشتداد تدخل القوى الرجعية في دعم التطرف الطائفي، قد دفع بالصراع نحو القتل الطائفي، ففي 2015 تم تنفيذ 56 مجزرة طائفية، ارتكب النظام 49 مجزرة منها، والباقي للقوات الإسلامية المعارضة.
 
وعلى ذلك؛ تمّ الصراع بين قطبين مضادين للثورة: قطب النظام وميليشياته، والقطب الإسلامي، وهما متماثلان في عدائهم للتطلعات التحررية للربيع العربي، وبالتالي سنكون أمام نتيجتين مروعتين: إما حركة ارتجاعية قديمة يقودها النظام القديم، أو انحدار نحو هاوية دامية عنوانها الاستمرار في التدمير والتشرد، أي الهبوط إلى هاوية الهمجية وهو ما ينتظر المنطقة.
 
وبالتالي؛ تخوض المنطقة “سيرورة ثورية طويلة الأمد، ستمتد سنوات بل عقودًا. فالأنظمة العربية النيوليبرالية وتشكيلتها المتمثلة بمثلث السلطة، وهو الجهاز العسكري والمخابراتي، والمؤسسات السياسية، والطبقة الرأسمالية المحددة سياسيًا (برجوازية الدولة، والقمم الرأسمالية)، عازمة على الدفاع بشراسة عن سلطتها على الدولة، وهي المصدر الرئيس لامتيازاتها وأرباحها. ومن هنا كان مستبعدًا التحول الديمقراطي السلمي في المنطقة العربية، بالمقارنة مع أوروبا الشرقية التي انتقلت إلى تشكيلة ليبرالية-ديمقراطية حديثة بشكل سلمي. والنظام السوري، كغيره، لن يكون مستعدًا للمساومة دون أن يشعر بأنه مهدد في وجوده بالذات، أو وضعه مع رعاته موضع المهدد بالسقوط.
 
2
 
في مصر، الانتفاضة المصرية هي التي أسقطت مبارك، بدعم من الجيش. وبدهاء العسكر تركوا الإخوان يحكمون بقيادة مرسي، ويحرقون أصابعهم من خلال تسليمهم دفة الحكم الساخنة جدًا في بلد يموج بالاضطراب الثوري. ولكن هل استطاعوا استلام السلطة بشكل فعلي؟
 
على الأمير أن يكون أسدًا وثعلبًا في آن معًا. يملك القوة ويحقق الرضا للآخرين. والدهاء السياسي يمكن أن يؤدي إلى امتلاك القوة، والعكس غير صحيح. لكن مرسي افتقر إلى قوة الأسد، ولم يحقق رضا الآخرين لافتقاره مهارة الثعلب، ولعدم امتلاكه الدهاء السياسي؛ لذلك فشل في امتلاك القوة الكافية للبقاء في السلطة.
 
وقد عمل مرسي على تشكيل حكومة غير وطنية، لأنها لا تضم كل الذين عملوا الانتفاضة، وأصدر دستورًا جديدًا يستطيع بموجبه التحكم بالأمور التشريعية والتنفيذية، وتعيين السيسي رئيسًا للمجلس العسكري، وحافظ على الطبقة النيوليبرالية، وصندوق النقد الدولي، وفرض المزيد من الضرائب؛ حيث ارتفعت الاضطرابات والاحتجاجات العمالية والشعبية، من 157 احتجاجًا إلى 4682 احتجاجًا، عند سقوط مرسي. بعد أن أدخل إلى الوزارة وزراء من الإخوان، وعمل على تعيين المحافظين الجدد، مما يؤشر إلى “أخونة الدولة”.
 
وقد اعترضت عليه كافة التيارات الليبرالية واليسارية، والجيش، ورجال الأعمال وطالبوه بدستور جديد، أو بانتخابات رئاسية مبكرة. وانضم إلى الاجتماع الذي تمت الدعوة إليه في 30 حزيران/ يونيو 2013، جبهة الإنقاذ الوطني، التي ضمت اليساريين والليبراليين، وحركة (تمرد) التي ضمت ناشطين من حركة (كفاية). إلا أن مرسي رفض المطالب بعناد، معتبرًا نفسه الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطيًا، وأشار إلى اعتصام مؤيديه في ميدان رابعة الذي شهد على يد السيسي، استعمال القوة الغاشمة، والتي قتل فيها أكثر من ألف شخص، وكانت “واحدة من كبرى وقائع قتل المتظاهرين في العالم، في يوم واحد، في العصر الحديث” كما وصفتها منظمة (هيومن رايتس ووتش).
 
إن رفض مرسي الدعوة إلى انتخابات مبكرة رئاسية، أو الاستفتاء على رئاسته ليس موقفًا غير ديمقراطي فحسب، إنما موقف أحمق أيضًا. والاستفتاء بمعنى “الحق المكفول للشعب بالموافقة على السلطة التشريعية أو رفضها”. وهما الوسيلتان الأساسيتان التي يستطيع بهما الناخبون ممارسة الرقابة على المنتخبين ومساءلتهم عن الوفاء بوعودهم الانتخابية التي انتخبوا على أساسها. ومن مصلحة الجميع الدعوة إلى إسقاط مرسي، لكن ليس بتفويض الجيش، كما فعل السيسي الذي اختطف الثورة في مرحلتها الثانية. وكان انقلابًا رجعيًا يستعيد النظام القديم في مصر. وكان انتقام السيسي ممثلًا للدولة العميقة ليس من الإخوان المسلمين فقط، الذين وضعهم في السجن، وصادر أملاكهم، والذين تحول قسم منهم إلى الإرهاب المسلح، إنما من كل من رفع صوته معارضًا، وانفض عنه مؤيدوه من (جبهة الإنقاذ)، و(تمرد)، وكل الطبقة السياسية التي شاركت في الثورة، مصحوبًا بقانون الطوارئ، ومنع التظاهر، المؤدي للسجن فورًا، تحت تعويذة “الحرب على الإرهاب”. وبالتالي كانت “النهاية برعب، لا الرعب بلا نهاية”، بتعبير ماركس. وكانت انتخاب السيسي كممثل للمهزلة المأساوية، بنسبة (96,9 بالمئة)، وهي أعلى من نسبة مبارك (88,6 بالمئة)، وكانت العودة إلى الأصول هي المطلوبة.
 
3
 
إذن؛ العرَض المرَضَي الأساسي في ثورات الربيع العربي، هو في غياب القيادة الثورية للثورة، وتحول الصدام ليكون بين القوى المضادة للثورة: أنصار النظام القديم، والحركة الأصولية الإسلامية. إضافة إلى العديد من الأمراض: قطّاع الطرق، والسارقين، وتجار الحرب، والزعامات الشخصية.. إلخ.
 
ففي ليبيا واليمن، وتونس، وسورية، ومصر، يبدو الصراع بين أنصار النظام القديم والقاعدة، والإخوان المسلمين، مع إزاحة أقطاب الثورة بالقتل والاعتقال. وقد أثبت اليسار الديمقراطي، وقوى الثورة الديمقراطية الليبرالية، عجزها عن أن يثبتوا أنفسهم كطرف حاسم في الصراع. وبالتالي لا يمكن إنكار أن الربيع العربي منذ 2013 تحول إلى شتاء عربي، شتاء قاس. وسيستمر الوضع في جحيم صدام الهمجيات.
 
يمكن الإضافة إلى الكتاب أن صراع الهمجيات، وهو صراع طائفي قبلي، يقسم المجتمع إلى مجموعات دموية تنفذها عصابات تعمل لصالح العصابات الحاكمة، وهي صراعات لا تنتهي، ولا يمكن حسمها عسكريًا، كما هو الحال في الحروب الطائفية التي مرّت بها لبنان -مثلا- منذ قرن من الزمان. والآن يتفسخ المجتمع السوري والعراقي واليمني، ومستقبل كل المنطقة في مثل هذه الصراعات الدموية القاتلة، والتي يحل الصدام الطائفي بديلًا عن الصراع بين الشعب والنظام الاستبدادي، لنيل الحرية والكرامة. وانقسام المجتمع بهذه الطريقة يشكل العَرَض الثاني الذي يُعيد مجتمعاتنا عقودًا إلى الوراء. فلن تكون هناك معجزة “ديمقراطية” تحول هذا الجزء من العالم إلى نموذج مثالي لليبرالية الرأسمالية. إلا إذا تم العمل على بناء القيادات التقدمية الديمقراطية والحازمة في استقلالها، التي غابت حتى الآن على نحو بالغ القسوة.
 
إن التحول إلى الأمل مرهون بتفتح جيل الشباب على ضرورة تشكيل منظومة فكرية وسياسية، لقيادة المرحلة القادمة في السيرورة الثورية المستمرة، وبخاصة أن الشعب تعلم النزول بإرادته إلى الشارع، كي يطالب بالحرية والكرامة. وهذه من أهم المكاسب التي تعلمها الشعب من انتفاضاته حتى الآن.
 
——————
 
*الأشقر، جلبير، انتكاسة الانتفاضة العربية-أعراض مرضية. دار الساقي٠ بيروت-الطبعة الأولى 2016، عدد الصفحات 253 صفحة.
 
** جلبير الأشقر باحث وكاتب لبناني، وأستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. تصفه صحيفة (اللوموند) بأنه أحد محللي العالم العربي، على المستوى السياسي والاقتصادي.
 
جيرون
29-05-2018