"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


إيناس العبّاسي في «منزل بورقيبة»... أيّ حرائق تنتظرنا؟

date: 
Wed, 01/24/2018

لا تكتفي إيناس العبّاسي في روايتها «منزل بورقيبة» الصادرة حديثاً عن «دار الساقي»، بالإطاحة بالنظريّة القائلة إنّ التنقّل بين الأنواع الأدبيّة هو صنعة الساعين وراء الجوائز والشهرة حصراً، بل تؤكّد أن لا شيء يحول دون توفر كلّ هذه «الملكات» في كاتب واحد، ودون وضعها ـ تالياً ـ في عملٍ واحد ناجح وجذاب، بغضّ النظر عن تصنيفه.

لا يعني هذا أنّ «منزل بورقيبة» ليست روايةً كاملة الأوصاف، بمعالم وهويّة واضحتين، ولكن يمكن القول إنّ صاحبة أسرار الريح أحسن كتاب شعري في تونس في العام 2004، تطلّ بين الصفحات أحياناً بصفتها هذه، مستعينةً بصور بيانيّة جميلة لا يأتي بها سوى روّاد وادي عبقر ممن يتبعهم الغاوون وهو ما طبع أيضاً مجموعتها القصصيّة «هشاشة» الصّادرة عن «دار الفارابي» في العام 2013 .

تقول الكاتبة في كتابها: «بدا الحادث وقتها مثل صخرة ألقيت بعنف في بركة ماء خامدة»، و«كان خطاب الرئيس القشّة الأخيرة في فزاعة القشّ التي طيّرها الغضب»، و«خرجت من أفواه الشباب الكلمات متردّدة ومبحوحة ثم اندفعت بثقة نحو السّماء مثل ألعاب ناريّة في ليلة صيف»، و«كانت الأزقّة في ذلك الجزء من المدينة تلتف مثل أفعى تريد أكل ذيلها»، و«تعلمت طيلة السنوات الماضية تجنّب مثل تلك الجمل الشبيهة بفخاخ تنصب وسط الحديث»، فضلاً عن الكثير من الصور البديعة التي لا مجال لتعدادها.

كما يمكن اعتبار الكتاب مجموعة من القصص القصيرة المشوّقة والمسبوكة في قالب روائي متين من دون أن ينتقص ذلك من لمعة القصص أو من متانة البناء الروائي.

وقد يقودك العنوان إذا كنت جاهلاً في الجغرافيا التونسيّة إلى اعتبار الكتاب رواية عن مرحلة حكم الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، قبل اكتشافك أنّ «منزل بورقيبة» أو «شيكاغو الصغيرة» مدينة تقع في شمال تونس، وتدور فيها بعض أحداث الرواية، وهي مسقط رأس الكاتبة الشابة التي برعت في الشعر كما في القصّة والرواية وأدب الطفل والترجمة.

تأخذ العبّاسي بيدنا من الاجتماع المنعقد للورثة في مكتب محامي حبيب الياس المتوفى مؤخراً في شيكاغو «الكبيرة»، لتعود بنا في رحلة عكسيّة عبر الزمن نجول من خلالها على حكايات عدد من الشخصيّات المرتبطة بالرجل الذي لاحق أحلامه بين مدينتين، وعاد من «بلاد المجانين» جثّة في تابوت، فتنتقل بسلاسة غير عابئة بقيود التاريخ والجغرافيا، مستخدمةً ببراعة واتقان تقنيّة تعدّد الأصوات لتنجح في انتزاع تعاطف القارئ مع كلّ تلك الشخصيات المتناقضة والمتصارعة في آن.

هكذا نتعرّف إلى «جيهان»، الابنة التي اجتازت طفلةً مسافات كبيرة كي تلعب مع أولاد أصغر منها ألعاباً لا تحبّها أمام منزل والدها المتزوّج من امرأة أخرى، طمعاً في اقتناص نظرة عابرة إليه لحظة خروجه إلى الشرفة، و«صوفيا» الزوجة الثانية التي نسيها الناس حين نامت تحت سقف مثقوب وتذكروها فقط حين أصبحت حطبة جهنم وصاحبةً للروميّ العجوز «روي»، ثمّ زوجةً لصديقه حبيب. و«مريم» الأخت الكبرى الحكيمة وصاحبة القلب الطيب التي خرجت وحدها من البئر الذي وقعت فيه بطلةً خارقةً وبوصلةً سيعتمد عليها «حبيب» طيلة حياته، و«نور الدين» الأخ الأصغر المختفي قبل 30 سنة بعد جريمة غامضة أو قصّة حب مزدوجة ربطته وشقيقه حبيب بكارول في شيكاغو. أمّا «لطيفة» الأم التي ماتت وهي تردّد «في قلبي نار لاتنطفئ» والحزن على ولدها الأصغر والشكّ بالأكبر يملآن قلبها.

الرواية تمرّ مروراً لطيفاً في الاستهلال، وفي الختام على ما جرى في تونس بعد «الربيع العربيّ» الذي أطلقه محمد أبوعزيزي بإحراقه نفسه لتنتقل النار بعدها إلى جميع أنحاء البلاد، بالمعنيَين المجازيّ والحقيقيّ، مع انتشار ظاهرة القتل حرقاً في قصص متفرّقة ترويها لنا الكاتبة، وتبقى أكثرها دلالةً ودهشةً قصّة ذلك الشاب الذي أحرق والديه لأنهما لا يستيقظان لصلاة الصبح، مبرّراً ذلك بأنّه يحبّهما، ولا يريد لهما الإحتراق بنار جهنم.

وإذا كانت الكاتبة تترك مصير «نور الدين» معلّقاً بلا إجابة واضحة، تماماً كالسؤال عمّا سيحمله لنا المستقبل من حرائق ونيران، فإنّها تجيب عن أسئلة أخرى بعبارتها القاطعة الواردة على لسان جيهان في الختام: «أخيراً تحرّرت وفهمت أنني بذرة قذفت في تراب هذا العالم وعليّ أن أواصل شقّ طريقي وحدي نحو السّماء».

 

جريدة البناء

24-01-2018