"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«وجوه» ما بقي من المدينة

date: 
Thu, 11/16/2017
تثير مدينة طنجة الساحلية خيال الكُتابِ فما تضمّهُ من نماذج بشرية مُختلفة توفّر مادة سردية خصبة، إذ تمازجت في حاضنتها ثقافات وروافد فكرية مُتعدّدة، الأمر الذي حدا بمَن عاش في هذه الثغرة أن يسرد تجربته مُستعيداً غرائبيّة المكان.لذا توقّف الكاتبُ المغربي في روايته «معجم طنجة» عند علاقة مشاهير الأدب بول بوبز، تينسي ولياميز، الان غينسبورغ، وغيرهم مع طنجة. كما أنّ الكاتب الفرنسي باتريك موديانو إتّخذها مسرحاً لروايته «مستودع طفولة».
 
فضلاً عن ذلك فإنَّ طنجة هي عنصر ثابت في مُعظم روايات محمد شكري الذي لا يتَقنّع وراء رواة متموّهين لتقديم سرديّاته عن تلك المدينة الآسرة، بل يُفضّل البوح بكل ما مرَّ عليه خلال طفولته وشبابه في «الخبز الحافي» و«الشطار»، وفي الأخيرة يكونُ المؤلّف خارج طنجة.
 
مُناخ طنجة
 
ينطلقُ محمد شكري في روايته السيرية «وجوه»، الصادرة عن دار الساقي من جديد داخل مُناخ طنجة، مُتحسّراً على ما كانت عليه من مجد قد انصرمَ بفعل عاديات الزمن. إذ يتّسمُ سرد محمد شكري في «وجوه» بطابع نوستالجي يطوفُ في عالم شخصيات حياتَها كانت محايثة لكل ما حملته المدينة من الإغراء والتقلبات. فكانت طنجة ملاذاً لغرماء فرانكو إبان الحرب الأهلية الإسبانية.
 
بابا دادي كان من طليعة الشيوعيين الذين أقاموا في طنجة غير أنّ الرعب والخوف الذي أشاعه فرانكو وصل إلى المدينة المغربية وعلت أصوات تبادل الرصاص في شوارعها.
 
ومن ثُمَّ يذكر صاحب «الخبز الحافي» ما وصلت إليه الحياة في طنجة على المستويات كافةً من التدهور عقب حروب وقعت في المنطقة، هكذا يضعك الكاتبُ في ماضي تلك المدينة وما انتهت إليه حينَ بدأ بمقاربة صورتها الجديدة في «وجوه».
 
يُفصح المؤلف في القسم الأول عمّا يعتملُ في أعماقه من الإعجاب المُمْتزج بالشهوة للساقية «فاطي» التي كانت تشتغلُ في حانة الغرناطة، ويأتي ذلك بالتساوق مع تذكّر عهد طنجة الذهبي عندما كانت في عنفوان عطائها، مشيراً إلى أنّ وجود فاطي قد جذب مزيداً من الزبائن إلى الحانة، وذلك لما تتمتّع به من الذكاء والشغف بقراءة الكُتبِ.
 
وبذلك يرسمُ مؤلّف «السوق الداخلي» خلفية لـفاطي قبل الإشارة إلى تطوّر العلاقة بين الإثنين ونزهاتهما على شاطئ الحبر حيثُ يدور الكلامُ حول أبطال الروايات. إذ يحذّر شكري صديقته من محاولة محاكاة شخصيات روائية، وهذه النصحية قد تلقّاها بدوره من الكاتب الفرنسي جان جنيه، حين تحدث للأخير عن تأثّره الشديد بحياة بطل رواية بلزاك.
 
تردُ في سياق السردِ مقتبسات من كلام مشاهير الأدب بغرض توضيح رؤية الكاتب للحياة، ويبدو بأنّ محمد شكري متخوِّف من التورّط في علاقة الحب وما أراد أن يكون قاهراً ولامقهوراً، وكان يُحبّذ أن لا ينضب حنينهُ للمرأة دون أن يجرفه تيار الحب، شأنه في ذلك شأن معظم المبدعين متقلِّبي المزاج.
 
ولا يغفل محمد شكري جانباً سوداوياً من حياة الغانيات اللائي يشغلن في الحانات وقد يبلغ بِهنَّ السكرُ والمجون إلى حدّ مُتردٍ. كما يعرضُ سادية الرجال في التعامل مع مَن يبعنَ المتع بأجور رخيصة.
 
أنقاض
 
ما يعرضه صاحب «الشُطار» في الأقسام المتتالية، ليس إلّا صورة لما صار إليه المكان والإنسان، بعد زمن المجد الغابر، ولا يلوحُ الماضي إلّا كحلم ومع ذلك لا يتخلّى محمد شكري عن فكاهية معربدة في أُسلوبهِ.
 
ويتمثّل هذا في حديثه عن علاقة علال بأبيه «الهادي» العائد من حرب فيتنام مبتور الذراعين دون أن تفقده العاهة الرغبة في الزواج. لكن الإبن يدرك طمع النساء مما أخذه الهادي تعويضاً، لذا يعالج الأمر بطريقة لا تخلو من الفحش.
 
ويتناول محمد شكري زيارته إلى طلل بيته في الناظور بعد مرور نصف قرن على الرحيل الجماعي.
 
ويُلاحَظ أنّ وصف الملامح الخارجية تشدُ الكاتب أكثر، وهذا ما تراه عندما يحكي عن ماجدولينا فوجهها يتغيرُ بإختلاف الأوقات وتشرق بألوان زاهية على حدّ رأي شكري. واللافت أنّ معظم الشخصيات التي يتصفّح الكاتبُ تجاربها تعيشُ في أزمة، بل وصل الأمر بعدد منها إلى حافة الجنون.
يضمّ محمد شكري في هذا العمل حديثاً عن رحلته إلى لندن ولقائه بمحمود دوريش والياس الخوري، وإرتياده لمقابر الكتّاب العالميّين.
 
ولا تفوته الإشارة إلى صديقته فيرونيك ويأتي الفصل الأخير ليجدّد الكاتب غرامه مع طنجة، واصفاً إياها بموطن الأحلام. كما يشيد بدور الكتابة والكتب بإعتبارهما منبعاً لا يدركه الجفاف، مقرّاً بحتمية الموت والنهاية. لكنَّ شكري سيظل رمزاً للكتابة التي تغورُ في عوالم المُهمشين.
 
جريدة الجمهورية
16-11-2017