"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«عيّاش» دونكيشوت مصري بنفاقٍ معاصر

date: 
Sat, 01/20/2018
لفت الكاتب المصري الشاب أحمد مجدي همام اهتمام النقّاد عند صدور روايته الثانية «أوجاع ابن آوي» (2011)، التي عبّرت عن صوت روائي يغوص في المناطق المختبئة في العقل عبر الكشف عنها وغزلها في منظومة روائية تتوّج المفارقة الدونكيشوتية. مع صدور روايته «عياش» (دار الساقي، 2017) يستكمل همام الفكرة ذاتها حول الإنسان الصغير التافه الذي يُعول كثيراً على مفهوم الفهلوة البهلوانية، النفاق، الأنانية، الرغبة الشرهة، الطمع، البطل الضد، دونكيشوت القذر الذي لا يخجل ولا يندم. يقول عيّاش: «جحيم في الدنيا، جحيم في الآخرة، شكراً يا رب، شكراً على هذا الحضيض الذي أعيش فيه.» لكن لمن يُوجّه هذا الكلام؟ عياش هو كاتب شحيح الإنتاج يُعيد تدوير ما كتبه ونشره سابقاً بكل الأشكال الممكنة، «لا يملك من أمره إلا أن يجاري الدنيا ويلاعبها بالأوراق التي في يده» (ص12). هكذا يكتب عياش داخل النص، ومع التوغل في السرد تؤكد الفقرات التي يكتبها أنه يفهم معنى الحضيض الذي أغرق نفسه فيه، ثم يزداد هبوطه، ثم يتسارع، حتى يلفظه الحضيض ذاته. تتحول تقنية الكتابة داخل الكتابة إلى وسيلة تُضيف الكثير إلى دناءة عياش ووقاحته. فدونكيشوت لم يكن يعرف، كما أن بطل رشيد الضعيف في «تصطفل ميريل ستريب» كان يتصور أن ما فعله هو الاختيار الوحيد، لكنّ عياش يعلم أنه دنيء.
 
ينجح همام بسلاسة ويسر وسهولة أن يواجهنا بما فعله بنا العالم الذي لا يجد فيه الشباب سوى فقر وبطالة وإحباط نفسي وفراغ عاطفي وكبت جنسي وقمع فكري... وهى كلها تجليات لشبكة قوية محكمة من علاقات قوى لا طاقة لعياش على مواجهتها أو التعامل معها. لذا اختار الأسهل والأسرع، أن يلعب بالأوراق ذاتها، أن يشيح بنظره، أن يتقوقع بداخله ليتمتع بانتقام صغير من الدنيا، ويتلذذ بآلام الآخرين، ويرفل في مكاسبه المادية الموقتة بالطبع، ويُفرغ رغباته المكبوتة. فلا يتورّع عن الانتقام من صاحب العمل الأول عبر تكبيده خسائر فادحة، وكانت حجته امام ذاته أن ذاك الراتب ضعيف وأن المدير مثلي، هكذا كانت ذكورته الفجة هي الغطاء الشرعي للانتقام الأول.
 
ثم يأتي الانتقام الأكبر الذي يقوده سريعاً إلى الحضيض، فبعد أن ينجح في طرح نفسه كسلعة صحافية رخيصة يتم تعيينه في واحدة من كبريات الصحف، لنشهد الكيفية التي يصعد بها هؤلاء من نراهم على الشاشات التليفزيونية ونقرأ أسماءهم بوصفهم كبار الكتاب. وكأنّ همام يمدّ يديه داخل أمعاء هذا المستنقع ليجعل قاذوراته تطفو على السطح بقوة وحنكة، فنرى التعاون مع اللواء المُعين في كتابة تقارير ضد الزملاء، الذين ينتهي مصيرهم بالموت أو الطرد أو التدني الوظيفي. إلا أن أقسى المشاهد هي تلك التي تُصور انسحاق عياش في حضرة اللواء. يتوازى مع كل تلك الدناءة علاقة عياش بنورا، إذ ينسى في غمرة صعوده السريع أنها كائن ذو حيثية ومشاعر فيتعامل معها بوصفها وعاء لتفريغ رغباته، وهو ما يؤدي إلى إلقاء الكثير من السخرية على موقفه من صاحب العمل المثلي. أو بالأحرى، تكشف نظرته لنورا عن آخر مستوى دناءة في شخصية عياش: رؤيته للمرأة بوصفها وعاء، انسحاقه أمام الأمن، شعوره بالزهو تجاه ما يفعله بزملائه، تدويره لكتابات قديمة باعتبارها جديدة، عدم اكتراثه بقذارة المنزل الذي يعيش فيه، وهنا يتحول المادي إلى انعكاس للمعنوي، غضبه من فكرة زواج والدته (لماذا؟)، وأخيراً قدرته على قبول ما يتقول به زملاؤه على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
لا تأتي النهاية المأساوية لعياش كعقاب أخلاقي أو درس مستفاد أو انتصار للخير (بقية الشخصيات ليست مثالية أيضاً)، بل هي نهاية طبيعية تستند إلى محمول السرد في شكل مُحكم تماماً. فالدناءة التي نجح عياش في تنميتها وكافح من أجل الغوص فيها تأكل الجميع ثم تقضي عليه هو ذاته. حينها يشعر القارئ بالارتياح قليلاً، أخيراً هناك ما يفهمه المنطق، ونحن غرقى نتعلق بقشة. وهو ما يدفعنا إلى طرح السؤال: إلى أي مدى يُمكن مسامحة عياش؟ سؤال صعب، بل مستحيل. فمنذ البداية كان عياش- الذي يقوم ببيع هدايا أخته له- مستعداً لهذا الدور، غير معترض عليه، بل كان آملاً فيه، إذ سُدت كل المنافذ في وجهه. يبدو وكأننا نحاول إيجاد مبرر لعياش. لنلعب إذا دور محامي الشيطان، على الجانب الآخر، - ولابد هنا أن نلعب دور الشيطان- أما كان يجب على عياش أن يسلك طريقاً مغايراً؟ (يسمونه العمل الشريف)، السؤال نفسه طرحناه حول شخصية محجوب عبد الدايم في رواية «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ عام 1945. كيف يمكننا فهم تشابه 1945 مع 2017؟ في سياق نجيب محفوظ كان السؤال فلسفياً أكثر منه واقعياً، (أقول أكثر وليس)، إلا أنه للأسف في حالة أحمد مجدي همام يبدو السؤال واقعياً في شكل كامل، فاللحظة المتوحشة القبيحة التي نمر بها لم تدع اختياراً لعياش، وعليه فإن الاسم ليس صيغة مبالغة بل هو فعل كامل يستند إلى مبررات من خارج عالم السرد.
 
جريدة الحياة
20-01-2018