"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«جيرمين وإخوانها»… مجموعة قصصية للصحافي حازم صاغية

date: 
Tue, 10/31/2017
واحدة وثلاثون قصة، متفاوتة الأطوال، متعددة المناخات والأبعاد، تجتمع في كتاب جديد، صدر حديثاً للصحافي، والكاتب السياسي اللبناني حازم صاغيّة تحت عنوان: "جيرمين وإخوانها"، (في طبعة أولى عن "دار الساقي" في بيروت 2017).
وهيكل الإطار الداخلي العام لهذه المجموعة القصصيّة، يتراوح في أربعة أقسام، تحمل – تباعاً – العناوين التالية: “حيوات بريئة”؛ “أمزجة ولا أمزجة”؛ “مجرّد تفاصيل”؛ “عن ماضينا ومستقبلنا”.
ومن قصة “جيرمين التي ضاعت في نيويورك” المقتطف الآتي:
“لم يكن من السهل التعرّف إلى عمر جيرمين. كان أمرها يشبه الأحجية: هل تعرف عمرها؟ كان يسألنا يوسف، ابن شقيقتها، واثقاً من أننا لن نعرف. فجيرمين التي صدمتها سيارة وهي طفلة، نمت نمواً متفاوتاً كما ينمو العشب البري. جسمها ظل صغيراً ورفيعاً كجسم تلميذة ابتدائية تشارك في مباريات مدرسية للركض، إذ رجلاها أطول مما يحتمله ذاك الجسد الضئيل. وبين أفراد البيت الآخرين، وكلهم ذوو قامات ضخمة، بدت جيرمين أشبه باللعبة التي تتحرك وسط ظلالهم. اما عقلها، قتوقف عند ما كانه في لحظة سابقة، أو ربما رجع إلى زمن يسبقه. لكن جيرمين التي كانت يومذاك في الخمسين، امتلكت حكمة تقودها، في أغلب الأحيان، إلى الحكم الصائب. فهي، بفراسة عجيبة، كانت تميز الخير عن الشر، والخير عن الشرير. ولم تكن تخطئ إلا نادراً، إذ تجيء أحداث تؤكد أنها كانت سبّاقة في إدراك الصواب.
وهي حين تتحدث، كانت تردد عبارات طفلية في معناها كما في لفظها، لكنها كانت تبدي استعدادات طيبة لتعلّم كلمات جديدة حتى إن استخدمتها بكثير من التصرّف. وأذكر من تلك المفردات كلمة “بورجوازية” التي طرأت على بيتهم مع اعتناق يوسف الماركسية واستقباله في البيت أصدقاء يرددون ذاك المصطلح.
وبالفعل، صارت جيرمين تتهم من لا تحبهم ممن يترددون على البيت بأنهم بورجوازيون، اما الذين تحبهم، ولسبب ما كنت في عدادهم، فكانت تصفهم بأنهم غير بورجوازيين. وهي كانت تكره طلال بقدر ما تحبني، فتسمّيه ضلال، من غير ان تعرف بالطبع الفارق بين الاسمين، وكانت تصفه بأنه بورجوازي، علماً بأن طلال الذي ترك المدرسة آنذاك ولم يجد عملاً، كان يستدين مني ومن غيري أجرة سيارة السرفيس التي تقلّه من بيته إلى بيت جيرمين.
وهي عمّمت وصفها هذا فكانت تطلقه على باعة الحي الجوالين الذين يقصدون بيت يوسف، لأن أمه ليلى أنشأت نوعاً من تقسيم العمل الضمني بينها وبينهم: هم يأتون حاملين معهم حاجة البيت من الخضار والفاكهة، فيما يوفّر البيت الكثير الغرف الراحة وأحياناً النوم لهم. مع ذلك، أصرت جيرمين على إِعمال فرزها الدقيق هنا، فرأت بائع البطاطا بورجوازياً، وهي التهمة التي برّأت منها بائع البطيخ.
وقد روى لي يوسف أن جيرمين في مرحلة سابقة، حين لم أكن أعرفه وأعرف بيته، كانت تستخدم تعبير “انعزالي” في معرض الهجاء، و”وحدوي” في معرض المديح، تأثراً منها بناصرية ابن شقيقتها يومذاك.
وعلى تقلّب أطوارها الزمنية واللغوية، درجت جيرمين على النوم في سرير أمها، وأغلب الظن أن نومها هكذا بدأ في عهد الطفولة، مع الضربة التي تعرضت لها حينذاك. أما نحن – الزوار – فكنّا نرى الاثنتين، هي وأمها، تخرجان معاً، وفي اللحظة نفسها، من غرفة نومهما إلى الصالون الذي نجلس فيه والمحاط، كما في البيوت الشرقية، بغرف النوم، لكن خروجهما معاً كان يضاعف الشعور بالغرابة: فالأم، أنجيل، كانت بالغة الطول وممتلئة الجسد، لا تلبس إلا اللون الأسود الذي يغطيها من أعلاها إلى أدناها، فلا ينفر منه إلا شعر شديد البياض في رأسها. وكانت أنجيل تظل صامتة، تشد انتباهنا إليها بصمتها، وبمهابتها التي يزيدها عرج في رجلها اليمنى يسبغ عليها ملمح قرصان بحري ضخم الجثة وكثير الأسرار. مع هذا، كانت جيرمين التي تلبس أي لون وتقول أي كلام، تكسر مهابة الأم بصوت يسبقها، رفيع وزجاجي المخارج ومليء بالكلمات التي لا يفهم معظمها الحاضرون”.
 
جنوبية
31-10-2017