"القراءة ضرورية للحياة كالتنفس  ..."
ألبرتو مانغويل


«جميلة» أنشودة الحُب في عتمة الحرب

date: 
Wed, 06/07/2017
إذا كانت الحربُ هي ما تَأتي بالدمارِ ويتراكم على أثر إندلاعها حطام الخراب وتقضي على الأحلام التي تُدفن مع الضحايا، فإنَّ الحُبَ هو مُعادِل للحياة والإنبعاث، والإيمان بما تعملُ من أجله. الأمرُ الذي يُحافظُ على الجانب الروحي لدى الإنسان كون المُحِب لا يفكر إلّا بالقلب على حدّ قول مارك توين، لذلك يختلفُ مسارُ العُشاق عما يسلكه غيرهم من الدروب، كما أنّ منطقهم غير ما يعتمده الآخرون لفهم وقائع الحياة.جُلّ الروايات التي تتناول موضوع الحرب والآثار الناجمة منها وما يعاني المرءُ في ظلها من المحن والتشرد والتحولات التي تشهدها الحياة إبّان سنوات الحرب، تذكرُ مقابل تلك العتمة ما يتولّد من قبس الحبِ من الأنوار، كأنَّ الكائن الإنساني مقدّرٌ له أنْ لا يدرك كنهَ الحب إلّا حين تداهمه الكوارثُ أو لا يذوق طعم هذه التجربة إلّا وهو على شفا الهاوية. هذا ما تراه مُتجسّداً في رواية «جميلة» للكاتب الروسي القرغيزي جنكيز إيتماتوف الصادرة عن دار الساقي.
 
إذ يوظّف صاحبُ «السفينة البيضاء» لغةً مُقْتصدةً مُتحاشياً الإسهاب في وصف مشاهد الحرب وما يتراكم في الجبهات من الظواهر المشبّعة بالعبثية واللا معنى. ويعرض الكاتب تضاريس طبيعة البيئة التي تُصبح إطاراً لهذا العمل، لذا كثيراً ما يشعرُ القارئ بأنّه صار في موقع المشاهد للمناظر التي تتحوّل إلى عنصر تكاملي لما يختلجُ في أعماق الشخصيات الأساسية، إذ لا يضارعُ روعة الطبيعة إلّا جمال الحب الذي ينمو في قلب جميلة على إيقاع الأغاني التي ينشدها دانيار بين الجبال والوديان.
 
حكاية اللوحة
لا يحتاج القارئ إلى كثير من الوقت حتى يتعرّف الى مناخ الرواية، بل بمجرد مُقاربة العنوان يأخذُ تصوّراً عن الموضوع الذي يستوي عليه بناء العمل، ناهيك عن التوقع بأنَّ الشخصية التي تحمل الرواية إسمها ستكون محوراً للأحداث بأكملها. كما أنّ صورة الغلاف تُعضد تلك القناعة لدى المتلقي، وهذا الأمر بدوره يكون حافزاً لفعل القراءة التي تبرزُ علاقة الصورة وتمظهراتها النصّية في الرواية.
 
ولا ينتهي دور الصورة عند عتبات النص بل اللوحة التي يطالعُ فيها الراوي هي بمنزلة البهو الذي يسمح لك بالدخول إلى النص على حدّ تعبير بورخيس، وذلك ما يُضيف إلى القارئ دوراً آخر، وهو أن يكون مُشاهداً ومُتفاعلاً مع ما يُدرك بصرياً.
 
يتوقف الراوي عند دقائق اللوحة وما إرتسم عليها من المناظر الطبيعية، بحيثُ يضعك في المشهد بكل تفاصيله، ومن ثُمَّ يشرع في حكاية هذا الأثر الفني بعدما يتّضح لنا بأنه صاحب العمل الذي قد ألهمته قصة الحب بين جميلة وهي زوجة أخيه صادق الذي إستدعي إلى الحرب قبل أن يمضي أكثر من أربعة أشهر على زواجهما ودانيار وهو عائد من الحرب يرحبُ به أهل القرية حالما يتعرّفون الى أصله ويحدّدون عيشرته.
 
نشأ دانيار يتيماً ولم يستقرّ به مكانُ وإشتغل في مناجم الفحم في مزارع القطن ومن ثُم التحق بالجيش... هكذا ينساب السردُ على لسان الراوي العليم ذاكراً خلفية الشخصيّتين الأساسيّتين. وإذ وفدت جميلة من قرية باكاير الجبلية، لا يفوت الراوي أن يصفها على المستوى الشكلي وما تتحلّى به من جمال أخاذ، بحيثُ يعشقها الجميع. وإلى جانب ذلك، فهي شخصية حازمة وجريئة ومُتحدّية لنزوات الشبان العابثين.
 
مُقابل ذلك يأخذ وصف الطبيعة وموقع القرية وحقولها ومنحدرات الجبال مساحة لا يُستهان بها من فضاء الرواية. ويُشار إلى أنّ مؤلّف «الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر» لا يُثقلُ عمله بما يُنتظرُ من روايات الحرب التي تشطحُ إلى اللا معقول وإيراد مفردات صادمة، بل يُفضّل الوقوف عند بعض تداعيات الحرب والإيماءة إليها في حوارات متبادلة بين الشخصيات.
 
تمجيد الحب
لا يكون مفهوم الحب في الرواية مُنحصراً بالمشاعر الموجودة بين الرجل والمرأة، بل يتحوّل الوطنُ أيضاً إلى عنصر في علاقة الحب القائمة بين الشخصيات،على منوال ما تراه لدى رسول حمزاتوف في «بلدي» وقربان سعيد في «علي ونينو». إذ لا ينفصل لدى هؤلاء الأُدباء حب الوطن عن حب المرأة، بل أحياناً تبدو المرأة مُعادلاً موضوعياً للأرض بعطائها ودورها في تخفيف الشعور بالوحدة.
 
إذ وجد دانيار في جميلة ما افتقده منذ أن رأى النورَ، لذلك في حضورها يستعيدُ القدرة على الغناء ويدبُ في قلبه حب الأرض من جديد. وتضرب جميلة من جانبها بكل العادات والتقاليد بعرض الحائط وتهربُ مع دانيار. هنا لا يتساءلُ المتلقي لماذا لا يعترضُ شقيق صادق على هروب زوجة أخيه مع دانيار، لأنَّه رافق سعيد في متابعته للحب الذي نشأ بين الإثنين، كما أنَّ الراوي يحترمُ هذا الحب ولا يسعى لتكدير صفوه.
 
كذلك، يشعر المتلقي بأنّ العمل ينسلخ من أبعاده الجمالية من دون هذه النفحات الرومانسية. وأكثر من ذلك ما يجعل هذه الرواية مشوِّقة هو إيغالها في الطابع المحلي والإهتمام الذي يعطيه المؤلف لما تتّصف به البيئة الإجتماعية من الأعراف والتقاليد، إضافة إلى إيراد أسماء النباتات والأزهار في متن النص، ما يؤكدُ من جديد أنّ الطريق إلى عالمية الأعمال الأدبية يمرّ بعدم الإنفصال عن المحلية والتأثيث على ما يكونُ خصوصية البيئة، فضلاً عن القدرة على إيجاد القنوات بين ما هو متغلغل في المحلية وما هو ذو نزعة إنسانية شاملة.
 
وفعلاً وُفِّق جنكيز إيتماتوف في هذا الأمر، لذا تُعدُ روايته نموذجاً للأعمال التي تعالج موضوع الحرب والحب من منطلق إنساني عميق في مساحة قصيرة نابضة بالصور مُكثّفة بالدلالة.
 
جريدة الجمهورية